ثقافة الديمقراطية وبناء المجتمع الديمقراطي



قد يقال من السابق لأوانه الحديث في هاكذاموضوع ونحن لازلنا نرتب أوضاعنا بعد حكم استبدادي رسخ ثقافة ( 40 ) سنة من الذلوالمهانة , وبعد ثورة فجائية لم تكن في الحسبان - تعد في حقيقتها هبة   إلهيهلا يرجع الفضل فيها إلا لله عز وجل, والشهداء , والثوار المحاربون على جبهاتالقتال - و بعد انتصار مبين من فئة قليلة مسالمة على فئة كئيرة باغية . لكن عصرناهذا الذي يعد فيه عامل الزمن أثمن الأسباب في تجاوز المحن ,لا يجعل الحديث في هذاالموضوع من سوابق الأوان .


  االغاية التي يتمناها كل من آمن بثورة 17فبراير إيمانا لا يُضمر مصالح شخصية  , أوخوفا من ماضي مُشين , هو بناء ليبيا الحديثة على قاعدة االديمقراطية القائمة علىالعدل والمساواة , والتي يتمتع فيها المواطن بدون استثناء بأكبر قدر من الحرية فيحدود حرية الآخرين , وأن تكون له حقوق, وعليه واجبات محددة , وقانون يتساوى أمامهالجميع .
  كل ما ذكرته سابقا قد يعد ترفا فكريا , أوبعبارة أخرى " كلام جرايد " ما لم تُحدد خطواته العملية التطبيقية فيالواقع , أى بعبارة أخرى, ترجمته لأفعال ,وما لم يكن الحاكم ورعا وفي مستوى المسؤلية.
  هنا وأسمح لنفسي أن أُثير قضية ستفرض نفسهاعاجلا أم آجلا, باعتبارها ستستحوذ بالضرورة على مادة من مواد الدستور الذي يشكلالقاعدة الرئيسية للمجتمع الديمقراطي المراد بناؤه . هذه القضية بكل وضوح , وبغيرلف ودوران تكمن في الإجابة عن السؤال الآتي : ما هو مضمون الدولة التي يرغبهاالشعب في إطار ليبيا الحديثة .
  يدور جدل الآن في الصحافة العربية والعالمية حولصياغة - على ما يبدو-  لخارطة طريق لثوراتالربيع العربي , وتزدحم في خضم هذا الجدل نماذج من  تيارات سياسية مختلفة , وأجندات ,  ومصطلحات ومفاهيم أبرزها : الدولة المدنيةالعلمانية , والدولة المدنية الإسلامية , و الإسلام السياسي والدولة   الدينية ... ألخ . ومن باب ثقافة الد يمقراطيةوبناء المجتمع الجديد نود أن ندلي بدلونا في هذا الخضم عسى أن يكون في ذالك توضيحللرؤية و إزاحة لغموض ما  .
  أولا :الدولة المدنية العلمانية : العلمانية مصطلح سياسي فلسفي قديم فيمعانيه حديث في تداوله .تُقدم دائرة المعارف البريطانية تعريفا للعلمانية "بكونها حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الأرضية بدلا من الاهتمام بالشؤونالآخروية , وهيَ تعتبر جزءا من النزعة االإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية للإعلاء بشأن الإنسان والأمور المرتبطةبه بدلا من إشراط الاهتمام بالعزوف عن شؤون الحياة والتأمل في الله واليوم الآخرة" . ويعد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ( 1632 -  1704 ) م أحد الداعين إلى فصل الدين عن الدولة, كما أن الكاتب و المفكر الإنجليزي جورج هوليك ( 1817 -  1906 ) م أول من نحت مصطلح " العلمانية " Secularism عام 1851 م .
  ومن المعروف أن الدعوة إلى فصل الدين عن الدولةفي نهاية القرن الخامس عشر الأوروبي  قدجاءت بسبب هيمنة الكنيسة ورجال الدين المسيحي على الحياة الفكرية والاجتماعيةوالاقتصادية  , واضطهاد العلماء والفلاسفة, والوقوف أمام أي أفكار جديدة تخالف في اعتقادهم الكتاب المقدس , علما بأنالأناجيل الأربعة التي تُشكل الكتاب المقدس المسيحي The bible  تخلو من أي تشريعات دُنيويةمحددة كما هو الحال بالنسبة للقرآن, وأن ما كانت الكنيسة تطبقه من تشريعات لم تكنسوى اجتهادات رجال الدين المسيحي التي اُستخدمت في حملة شعواء ضد كل حداثة من خلاللجان التفتيش المعروفة ببطشها بعلماء الطبيعة على وجه الخصوص من أصحاب النظرياتالفلكية في تفسير الكون من أمثال : كوبر نيكوس البولندي (  1473  - 1543 ) جاليليو الإطالي (  1564 -  1642  )  .  
  علىأي حال ,انتقلت فكرة الدولة المدنية العلمانية إلى المجتمع العربي مع مطلع القرن الماضي , وظهر لها مبشرون من المسلمينوالمسيحيين العائدين من دراستهم في أوروبا . واعتمد هؤلائي المصلحون – كما كانيطلق عليهم -  في دعوتهم للدولة المدنيةالعلمانية القائمة على فصل الدين عن الدولة على المبررات الأوروبية السالفة  الذكر - ولم يفطنوا - على ما يبدو-  إلىالاختلاف الصارخ في مجال التشريعات بين الكتاب المقدس المسيحي ( أى التوراة فيصورتها المحرفة )  والقرآن الكريم , كمااعتمدوا على اعتقادهم في أ ن الإسلام لا تتوفر فيه مقومات الدولة السياسية , هذابجانب المخاوف من لجان تفتيش إسلامية على غرارتلك المسيحية , ووصلوا إلى نتيجةتزعم أن ارتباط نظام الحكم في الأمة العربية بالدين الإسلامي سبب في تخلفها , ومنثُم فإن طريق الحضارة يبدء بفصل الدين عن الدولة .
 اصطدم  دُعاة الدولة المدنيةالعلمانية بمشكلتين : أولاهما تفسير شائع للعلمانية بأنها تساوي الإلحاد ,وثانيهما المقارنة غير الموفقة - على ما يبدو- بين دولة الكنيسة المسيحية فيالقرون الوسطى الأوروبية , وبين الدولة الإسلامية . كانت صفة الإلحاد التي  نُعتت بها العلمانية مثار جدل في أواخر النصف الثانيمن القرن الماضي وخاصة في  الد ولة الشقيقةمصر التي بطبيعة تكوينها الديموغرافي ( السكاني ) تحتوي على مزيج من المسلمينوالمسيحيين , وقد تدخلت الفلسفة من خلال زكي نجيب محمود للتخفيف من غلواءهذه التهمة وذلك بالتفريق بين مصطلحى العلمانية ( بفتح العين ) , والعلمانية (بكسر العين ) , فالأولى جاءت من العالم أى الكون, بمعنى الإيمان بالعالم الماديكحقيقة أولى وأخيرة, مما يفيد الإلحاد , وهو أمر يتنصل منه العلمانيون . أماالثانية فقد جاءت من العلم والعلماء , وهو أمر لا يتناقض مع أي دين , وخاصة الدينالإسلامي الذي تحثُ  معظم آياته على العلم, وتصف العلماء بأنهم أكثر من يخشى الله " إنما يخشى الله من عباده العلماء" . وهكذا ظل العلمانيون انطلاقا من تفسير العلمانية بالعلم , يؤكدون على أن مُرادهم ينحصر في تحرير الدين من قيود الدولة ,وتحرير الدولة من قيود رجال الدين . ومع ذلك ,  ظل شبح الإلحاد يطاردهم , مماجعلهم دائما فيحالة استنفار , وقسم دائم بأغلض الأيمان أنهم من المؤمنين  بالله   كغيرهم من المؤمنين . ويبدو أن مشكلة العلمانيينالأساسية تكمن في تعريف الدولة المدنية العلمانية بأنها الدولة التي تنتقل فيها سلطاتالحكم والإدارة والتعليم من الموأسسات والمحافل الدينية إلى الهيآت المدنية , وأنالدولة المدنية العلمانية لا ينص دستورها على دين أو مذهب تتبعه حكومتها .
 ثانيا الإسلام السياسي :   
  لا ندري على وجه الدقة متى ظهر مصطلح الإسلامالسياسي , لكنه أصبح متداولا في الفترات الأخيرة بشكل واضح  خلال ثورات الربيع العربي ,. وقد نُشرت  عنه مقالات وعُقدت  ندوات ثقافية , ونُشر سيل من الكتب من بينها : "إعادة التفكير في سياسة الإسلاميين " لسلوى إسماعيل , و " الإسلام بوصفهدينا سياسيا , مستقبل ديانة عالمية أو دعوية " لشابير أختر , و "الإسلام السياسي , نصوص و وثائق " ترجمة ونشر فريدريك فولبي . وجميع هذهالنشاطات الثقافية تتناول هذه الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة على المجتمع العربيوالإسلامي والعالمي . وقبل أن نحدد أصولها وأهدافها , علينا أن نقدم تعريفا لمصطلح" الإسلام السياسي " . " "الإسلام السياسي في نظر الدارسينللأوضاع والسياسات في العالم الإسلامي منذ التسعينات من القرن الماضي , هو تلكالحركات والتنظيمات التي تمارس العمل السياسي بشعارات إسلامية , أو أنه تلكالحركات التي تسعى بشتى الوسائل لإقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية  " . ومن ناحية أخرى يمكن القول  إن الإسلام السياسي يسعى لإعادة بناء المجتمع الإسلامى, وجعل صفة الإسلامية مرهونة بالحاكمية أى تطبيق الشريعة والاحتكام إليها .
  الحقيقة أن ظهور مصطلح الإسلام السياسي حديثاقد يوحي بأن الإسلام يخلو من مظاهر الفكر السياسي, مع أنه في اعتقادنا مبني أصلا علىالحراك السياسي الذي يسعى لتنظيم المجتمعات في شكل مجتمعات إنسانية متآخية تحت مظلةالعدل والمساواة . وقد  ظل الإسلام منذتشكل المجموعة الأولى المصاحبة لرسول الله ( ص ) تسعى لبناء دولة إسلامية , وذلكابتداء من الهجرة الأولى و الهجرة الثانية , إلى إبرام العقود والاتفاقيات , مرورابسقيفة بني ساعدة التي أرست نظام الخلافة , ونشأت عنها بذور فرقة الشيعة ,إلى عهد الخلفاء الراشدين الأربعة الذين اُغتبل منهم ثلاث لأهداف – على مايبدو -  سياسية بحتة , إلى الفتنة الكبرىالتي قُتل  فيها الخليفة الثالث عثمانابن عفان رضي الله عنه , إلى المواجهات الدامية بين الخليفة الرابع علي ابنأبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان الذي انقلب على نظام الخلافة وأحالها إلى حكموراثي توالت بعده عصور إسلامية شهدت نهضة علمية وأدبية وحضارة إسلامية أرست أسسالحضارة العا لمية المعاصرة من خلال مؤلفات : الرازي , وابن سينا , والحسنابن الهيثم , والفرابي , والغزالي , وابن خلدون ...ألخ .
  مما سلف ذكره يتضح لنا أن دعاة الإسلام السياسي( الدولة الد ينية )   يرون أن قيام دولة مرجعيتها الشريعة الإسلاميةليست جديدة جدة مصطلح الإسلام السياسي , بل هي عودة إلى الأصل , ويرون أن فكرة فصلالدين عن الدولة هي فكرة غربية وُلدت في ظروف مخالفة تماما لما هو موجود في الساحةالإسلامية . ويرون أن هذه الفكرة مقنعة للغربيين من حيث أن الكتاب المقدس المسيحييخلو من التشريعات الكفيلة بتنظيم مجتمع يزخر بالحرية والنضج الفكري, كما كانالأمر في حالة  الحضارة العربية الإسلاميةالتي لم يصطدم فيها العلماء في مجال العلوم المادية بشيخ مُكفر , أو فقيه مُنذر ,أو لجان تفتيش , كما كان الحال في القرون الوسطى الأوروبية .
  ثالثا الدولة المدنية الإسلامية :
  توجهات هذه الدولة تقوم على أساس أن يُنص فيالدستور على أن الإسلام دين الدولة وبدون النص على  اعتبار الشريعة الإسلامية مرجعية للقوانين .والدولة المدنية الإسلامية تكتفي بتطبيق الشريعة الإسلامية في مجال الأحوالالشخصية , تاركة مساحة من الحرية للفرد ( حرية سياحية ) إذا جاز القول في كيفيةممارسة حياته الدينية مع مراعاة مشاعر الآخرين .وقد ينص بعضها على مرجعية الشريعة ,لكنه لا يعبأ بالتطبيق الكامل لها ,  وهذاالنوع من الأنظمة مُطبق كما سنلاحظ من خلال نماذج من دساتير الدول العربية -  في المملكة الليبية المتحدة سابقا , ومطبقحاليا في كل من الجمهورية العربية المصرية , والمملكة المغربية , والمملكةالاردنية.
  وفي النهاية , علينا تبديد المخاوف من هيمنةجماعة أو حزب على الدولة من خلال الأغلبية الانتخابية , طالما توضع في الدستور مادةفوق دستورية تمنع الأغلبية الانتخابية من إلغاء أو تعديل مواد معينة بدون ا ستفتاءثلثي الشعب .  وفيما يلي نصوص من  وضع الدين الإسلامي في نماذج من  دساتير الدول العربية :
1)    يُعرف دستور المملكة العربية السعودية باسم" النظام الأساسي للحكم " , وجاء في المادة ( 1 ) " المملكةالعربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة , دينها الإسلام ودستورهاكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولغتها هي اللغة العربية  وعاصمتها مدينة الرياض " . ( آخر نسخة منه3/ 1/ 1993م   
       2 ) دستور المملكة الليبية المتحدة : الفصل الأول مادة ( 5 ) : " الإسلامدين الدولة " .
       3 ) الإعلان الدستوري لليبيا الحديثة , مادة ( 1 ) : ليبيا دولة ديمقراطيةمستقلة ,
الشعب فيها مصدر السلطات ,  عاصمتها طرابلس , ودينها الإسلام , والشريعةالإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع                       
 4 )الإعلان الدستوري  لمجمهورية مصر العربية ,مادة ( 2 )  :  " الإسلام دين الدولة , واللغة العربيةلغتها ا لرسمية , ومباديء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع  .
       5 ) د ستورالمملكة المغربية  , مادة ( 6 ) : " الإسلام دين الدولة وهومصدر التشريع . والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية  " .    
      هذا وفي الوقت الذي بتمنى فيه المرء أنتكون ليبيا الحديثة نموذجا يُحتدى به في الحرية والعدالة والمساواة , فإننا
      يجبألا ننسى أن العبرة ليست بكمال النصوص الدستورية للدولة فقط , بل في من يقومبتطبيقها , فما أحوج ليبيا لحكومة رشيدة تخاف الله  لتستأ صل فسادا نخر جسد ألأمة حتى العظم  .
        د / يوسف حامد الشين  9-9-2011

Followers

Pageviews