مفهوم «الاعتراف"... الاستعمالات السياسية والاعتبارات الاجتماعية


خدمة المرصد الليبي للاعلام
جامعة بريتيش كولومبيا
تناول الباحث جوشوا ماير فريدمانبجامعة بريتيش كولومبيا في دراسة قام بها مؤخرا موضوع الاعتراف الدولي بالمجلسالوطني الانتقالي في ليبيا، حيث تم تقديم البعد القانوني لمفهوم"الاعتراف" واستعمالاته السياسية إضافة إلى اعتباره فعلا اجتماعيا لهانعكاسات عديدة.
ويقول الكاتب في الدراسة التي جاءت تحتعنوان "الاعتراف بين الحقيقة والخيال: نقد اجتماعي للاعتراف السابق لأوانهبليبيا"، إن الاعتراف ليس فقط فعل تأسيسي ولكنه أيضا تأييد رمزي تقوم به دولةمعينة، تجاه المواطنين في دولة أخرى، حول مسألة شرعية حكومتهم.



وتتناول الدراسة أولا انتقادانعكاسات الاعتراف القانوني على المستوى الدستوري، وثانيا تحليل مسألة"الاعتراف" كظاهرة اجتماعية.
كما طرح فريدمان في بداية الدراسة تساؤلاتهي: في أي ظروف يمكن أن نتوقع أن يكون للاعتراف الخارجي انعكاس على تصور الشعبللحكم الشرعي؟ وتحت أي شروط يمكن أن يخدم هذا الانعكاس أهداف الجهات المانحة؟
ظاهرةقانونية
ويقول الكاتب إن مفهوم الاعترافالقانوني ظهر في منتصف القرن الثامن عشر حيث تم التشديد على أن أسس القانون الدولييجب أن تستمد من توافق الدول. ولأن تكوين دول جديدة سيخلق واجبات قانونية جديدةوالتزامات جديدة للدول الموجودة، فقد كان الاتفاق على أن تتلقى الدول الجديدةاعترافا دوليا لكي تكون لها "شخصية دولية".
وقد تم إقرار هذا التمشي في المادةالأولى من اتفاقية " مونتيفيديو"التي تنص على أنه إضافة إلى وجود عدد دائم من السكان وأرض محددة وحكومة، فإنه يجبعلى الدول أن تكون لها القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى. فالكياناتالسياسية، التي تفتقد للاعتراف من قبل نظرائها الذين يتمتعون بالسيادة، تفتقد أيضاالقدرة على الاستجابة لشرط اتفاقية "مونتيفيديو" المحدد لمفهوم الدولة.وهو ما يجعل مسألة الاعتراف ضرورية لممارسة الحقوق القانونية والواجبات وإرساءالدولة.
ويقول المؤيدون لهذه النظرية إنهليس هناك أي قواعد لتطبيق هذا المفهوم. فيمكن للدول أن تقوم بالاعتراف بدول أخرىفي سرية. وفي معظم الأحيان فإن فعل الاعتراف يمنح على أساس المصالح والمثل السياسيةويكون عادة في قطيعة مع الواقع القانوني.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن فعلالاعتراف يرتبط بالقواعد القانونية التقليدية التي تنظم تكوين الدول والحكومات.ولا يجب أن يتم الاعتراف على أساس المثل السياسية وإنما على أساس بعض القواعد التيحددها القانون الدولي. وبالتالي فإن الاعتراف يتجسد في التواجد الفعلي للدولةواستقلالها عن أي دولة أخرى. وعلى هذا الأساس فان أي دولة أو حكومة تثبت أنهاتتحكم وتدير التراب والسكان في البلد المعني فإنها "موجودة" ككيان سياسيوفقا لمعيار التحكم الفاعل.
وبهذا فإن الكيانات السياسية التيتفشل في بسط حكمها على كامل البلاد التي تدعي أنها تمثلها فإنها ستفتقد للشرعية فيالمطالبة بالاعتراف، وهو ما يدعو للقول أنه لا يمكن استعمال فعل الاعتراف قبلتكوين دولة ما أو حكومة وطنية ليست موجودة بعد لأن ذلك يتضارب مع النظريةالدستورية.
ويقول الباحث إن هذا التقاطع بينهاتين الفكرتين هو ما يجعل القضية الليبية مثيرة للاهتمام ومتناقضة في آن واحد، فعندماتم الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي كـ"ممثل شرعي للشعب الليبي" منقبل فرنسا في العاشر من مارس الماضي، لم يكن يتحكم سوى في نصف البلاد. وفيالأسابيع التي تلت، تمكنت قوات العقيد الليبي الهارب معمر القذافي من إعادةالسيطرة على الزاوية وعلى محطة النفط الرئيسية راس لانوف. وفي 19 من مارس الماضيكذلك، كانت قوات القذافي على مشارف بنغازي عاصمة الثوار.
وهو ما يبرز أن الاعتراف الفرنسيبالمجلس الوطني الانتقالي كان سابقا لأوانه ويمثل كذلك خرقا للقانون الدولي.
وفي الواقع، كانت فرنسا تقومبالاعتراف التأسيسي. وعبر اعتبار المجلس الوطني الممثل الشرعي الوحيد للشعب الليبيخلال الحرب، كانت فرنسا تشير ليس فقط إلى قدرة المجلس على تمثيل الشعب الليبيوإنما كذلك "الشرعية المحلية" للقيام بذلك. وإذا اعتبرنا أن الاعترافالفرنسي فعلا سياسيا وليس قانونيا فإن تنفيذه يتطلب التخلي عن الالتزاماتالقانونية والحديث عن أهداف سياسية وربما أخلاقية للدولة المانحة.
الاستعمالاتالسياسية
ويقول الباحث إن الاستعمالاتالسياسية للاعتراف تعتمد على ثلاث حالات، الأولى الاعتراف المبكر بنظام جديد.الثانية عدم الاعتراف المطول بنظام جديد وفاعل. الثالثة الاعتراف المطول بنظامبائد. ويعتبر الكاتب بيترسون أن الدول ستختار اعتماد أحد هذه الحالات وفقا لثلاثةأسباب.
وفي مستوى أول، يستعمل الاعترافللتعبير عن الموافقة أو الرفض تجاه نظام ما وهو الحال خلال الحرب الباردة، ووفقاللكاتب آلن بوشانن. ويمكن استعمال فعل الاعتراف للتأثير على سياسات الأنظمة أوبصفة أهم التأثير على بقائها. فالاعتراف يقوّي الكيانات السياسية التي تفتقدللحقوق القانونية والواجبات وهو ما يجعل منه فعلا دستوريا. ولكن هذا ليس كافيافيجب أن يساهم الاعتراف أيضا في فرض وجود هذه الدول.
ويعتبر بوشانان أن الحكومات الطموحةتستحق الاعتراف أكثر مما تستحقه سياساتهم المحلية المثيرة للجدل. وبذلك فان منحالاعتراف من عدمه على أساس المعايير الأخلاقية يمكن أن يكون سياسة فاعلة في تحفيزالسلوك الصحيح بين الأنظمة المختلفة.
وعلى أرض الواقع، هناك تفاوت كبيربين الأهداف التي تعلنها الدول عندما تحصل على الاعتراف السياسي من قبل الحكوماتالأجنبية وبين ما تحققه فيما بعد. وثبت أن رفض الاعتراف هو وسيلة غير فعالةللتهديد بزوال نظام ما.
أمريكا والاعتراف التأسيسي
واعتمدت السياسة الأمريكية في تطبيقفعل الاعتراف أولا على أن الاعتراف هو حق ذاتي لكل دولة لتتفق على ما تراه مناسبا.ومن ناحية أخرى، تعتبر أن الاعتراف له عواقب سياسية وتأسيسية ينبغي أن تضع فيالاعتبار الإستراتيجية الأمريكية الكبرى. وتبعا لذلك رفضت الإدارات الأمريكيةالمتعاقبة الاعتراف بالأنظمة الاشتراكية على أساس أن القيام بذلك سيكون ضد المصلحةالوطنية.
ولم تعترف الولايات المتحدةالأمريكية بالحكومة البولشيفية في روسيا وبالجمهورية الشعبية للصين. وفي الحالتين،فشل عدم الاعتراف في عرقلة بقاء هذه الأنظمة وأدى بالولايات المتحدة إلى التخلي عنتمشيها الأول والاعتراف بهما.
الاعترافكـ"فعل اجتماعي"
ويذكر الباحث مثال دولة الكويت التياحتلها صدام حسين سابقا وأصبحت غير موجودة بالمعنى الفعلي للكلمة. ولكن هذا لميمنع المجتمع الدولي من التشديد على اعترافه بها واستعادت في نهاية المطاف سيادتهامن خلال استخدام القوة.
أما في الحالة الليبية، فالاعترافالسابق لأوانه بالمجلس الوطني أصبح مجرد "فضول تاريخي" على غرار تلكالبلدات التي اعترفت لفترة وجيزة بدولة بيافرا المنحّلة. ويتساءل الباحث عما إذاكان  الاعتراف أو عدم الاعتراف أداة منأدوات التحكم ويتوقف أثره القانوني على القيام بأفعال دبلوماسية ملموسة؟
ويعتبر أن الاعتراف استعمل لتبريرالتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في حين أن المبررات القانونية غير ضرورية،مضيفا أن اعتبار الاعتراف كعمل اجتماعي له أثر ملموس ليس فقط على الحقوق والواجباتالدولية ولكن أيضا على الشرعية وبذلك فإن له أثر عميق. وفي حين أن الاعترافالقانوني يستهدف الأنظمة القائمة فإن الاعتراف الاجتماعي يستهدف المدنيين عن طريقالمطالبات الخارجية بإعطاء الكيان السياسي الحق المشروع في الحكم..
أزمة شرعية
ويتم تعريف الحروب الأهلية عبرانهيار احتكار النظام في استخدام القوة وتقسيم الفضاء وأزمة الشرعية داخل النظام.و في هذه الظروف لا يستطيع أي طرف سواء كان الحكومة أو الفصائل المتمردة أن تزعمأنها تسيطر فعليا على كامل الحدود الإقليمية أو السكان في تلك الدولة. وهو الحالبالنسبة للحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا والتي كانت إعلانا عن رفض نظامالقذافي.
ووفقا للكاتب كاليفاس فان الحكوماتتتجنب استعمال لفظ "حرب أهلية" حفاظا على تفوقها وشرعيتها السياسيةوتفضل استعمال ألفاظ "إرهاب" و"إجرام". وقد استعمل القذافيمثل هذه الألفاظ بعد 17 فبراير ملقبا معارضيه بـ"الجرذان"و"المستأجرين" الذين يعملون لصالح الاستخبارات الأجنبية وتنظيم "القاعدة".أما الثوار الذين يسعون إلى فرض أنفسهم كبديل للنظام الحاكم فقد مالوا إلى تبنيرواية "الحرب الأهلية" والانعكاسات الشرعية التي تنبثق منها. وبالتاليفاعتبار أن الحروب الأهلية هي في الوقت ذاته صراعات عسكرية داخلية ومطالباتبالشرعية، فان الاعتراف الأحادي له أهمية في تسريع التغييرات في المواقف بينالمدنيين. ويكمن الرهان هنا في فهم العوامل التي تتسبب في تحول الولاءات بينالفصائل المتناحرة والتداعيات الاجتماعية التي تتبع الاعتراف التأسيسي.
تحولات
ويقول الباحث إن التحول في سلوكالمدنيين عبر دعمهم لأحد الكيانات السياسية تعتمد على اعتقادهم في شرعيتها أولأنهم اكرهوا على القيام بذلك. وبين أنه من السهل تفسير عامل الإكراه لأن الحكوماتوالحركات "المتمردة"على حد سواء غالبا ما تستعمل القوة ضد المدنيين أوالتهديد. وهذا لا يؤثر بالضرورة على مواقفهم ولكن على سلوكهم وهو النتيجة المرجوةفي النهاية.
ولكن الشرعية كعنصر محفز ليس سهلافي تفسيره وهو ما يجعل فعل الاعتراف الدولي أكثر وضوحا. فهو يهدف للتأثير على سلوكالمدنيين عبر التأثير على مواقفهم وآرائهم. وهو ليس الحال بالنسبة لفعل الإكراهالذي لا يتطلب أن يكون دعم المدنيين طوعيا. وبهذا يبرز الاعتراف بانعكاساتهالقانونية والسياسية. فالاعتراف له رمزية مؤسساتية وشرعية.
ويذكر الباحث مثال منظمة التحريرالفلسطينية التي تم الاعتراف بها كممثل للشعب الفلسطيني وأصبح لها مقعد ملاحظ لدىالجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974. وعبر فعل "الشرعية المؤسساتية"،سمحت الجمعية العامة للأمم المتحدة للمنظمة بالمشاركة في كل الندوات والتقارير فيالشرق الأوسط تحت غطاء الأمم المتحدة. وكان لهذا تأثير كبير على قدرة منظمةالتحرير الفلسطينية في السعي إلى تحقيق أهدافها السياسية. وكان لهذا الاعتراف أثرعلى خلق شرعية للمنظمة أمام الشعب الفلسطيني.
مجتمع قبلي
تاريخيا، كانت المعارضة في ليبياتنبع من  طرفين: الإسلاميين والفصائلالقبلية في برقة (المنطقة الشرقية في البلاد). ولأن هذين الطرفين يمثلان تحالفاتدينية وعرقية قبلية أكثر منها تحالفات مدنية فإن هناك خشية من أن يتأثر الثواربها. وهو ما من شأنه أن يقوض مطالب الثوار بتكوين حركة تحرير وطنية. كما أن وجودالمقر الرئيسي العسكري للمجلس الانتقالي في برقة والانتصارات التي حققها هناك لاتساعد على إبراز أن الثوار لهم شرعية ذات قاعدة وطنية عريضة.
فعندما قامت فرنسا بالاعترافبالمجلس الانتقالي في العاشر من مارس، فإنها بررت ذلك بأنها تعتقد بأن المجلس هوالممثل الشرعي للشعب الليبي.
وتمنح في العادة، الحركات الثوريةأو الحكومات الثورية التي تشارك في الحروب الأهلية نوعا من الاعتراف بالثورة، وهواعتراف ليس شبيها بالكامل بالاعتراف بالسيادة أو بوجود دولة ما ولكنه اعتراف بوجودبعض المظاهر القانونية أو بطريقة أخرى الاعتراف بوجود حالة حرب بين طرفين من نفسالبلد.
ففي الحرب الأهلية الإسبانية مثلا،اعترفت بريطانيا بتمرد الثوار الأسبان الذين تمكنوا في فبراير 1939 من السيطرة علىمعظم التراب الإسباني. وبهذا الاعتراف، حاولت بريطانيا أن لا تعترف بصفة سابقةلأوانها بالثوار كحكومة. ولكن الإعلان الفرنسي تجاوز ذلك ولم يهدف فقط إلىالاعتراف العسكري بالثوار وإنما أيضا بشرعية مطالبهم في حكم البلاد.
وقائعاجتماعية
وأوضح الباحث أن الاعتراف كفعلقانوني واجتماعي وتطبيقه على مجموعة من الثوار، يذكّر الفاعلين السياسيينوالمدنيين أن الحكومات تعتمد بالأساس على وقائع اجتماعية وليس سياسية، وبالتأكيد فإنللحكومات خصائصها على غرار زعماء الأحزاب والأعضاء والنخب السياسية، ولكن ما يضفيشرعية على هذه الكيانات في عيون أتباعها هو بالأساس فعل اجتماعي.
نقد
ويعتبر الباحث أن القول بأنالاعتراف هو القدرة على إعطاء معنى اجتماعي لكيان سياسي وهو ما يضفي عليه شرعية فيعيون المدنيين ولكن يجب القبول بأن العكس صحيح. فعلى سبيل المثال، إذا كان للموقفالأحادي لفرنسا يهدف للتأثير على مواقف المواطنين الليبيين، فإن هذا سيفيد حكومةالثوار فقط إذا قبل الليبيون بحق فرنسا باتخاذ مثل هذا الموقف.
ومن الداخل، تنظر أغلبية منالليبيين إلى مبادرات الدبلوماسية الفرنسية كفعل "شرعية خارجية" أكثر من"تلاعب خارجي". ويبقى الاعتراف الفرنسي فعلا اجتماعيا تأسيسيا ولكنمعناه المتشعب يعكس هدف الثوار في التمتع بالشرعية الخارجية. وهذا مهم جدا فيليبيا. فرغم أن المجلس يتمتع باعتراف ثلاثين دولة فإنه يبقى سلطة غير ديمقراطيةوغير منتخبة. كما أن الحضور النشط للقوى الخارجية تؤثر على سعيه لتقرير المصير.وفي هذه الحالة فان الاعتراف لا يفشل فقط في مساعدة الثوار وإنما يساهم أيضا فيفقدان الدعم الشعبي في ليبيا.
الباحث : جوشوا ماير فريدمان

Followers

Pageviews