ترجمة : خالد محمد جهيمة : الفصل السادس من كتاب تشريح طاغية: معمر القذافي


الكتاب الأخضر
الفصل السادس من كتاب تشريح طاغية: معمرالقذافي
الكسندر نجارAlexandre Njjar
ترجمة : خالد محمد جهيمةKaledJhima 

سَيُعد القائد قريبا "نظرية عالميةثالثة", تقف إلى جانب الرأسمالية, والشيوعية, لإحساسه بضرورة بناء نظامه علىأسس أيديولوجية جديدة. نشر معمر القذافي, اقتداء بماركس, وعبد الناصر[1],وماو ـ مؤلف الكتاب الشهير : الكتاب الأحمر الصغير ـ , والخميني ـ مؤلف كتاب أخضريحتوي على  "مبادئ آية الله الفلسفية,والاجتماعية, والدينية" ـ أو هتلر, الذي يعرِض كتابُه كفاحي أسسَ برنامجالقائد القادم السياسي الأيديولوجيةَ, بين عامي 1976, 1979, وثيقة بعنوان الكتابالأخضر[2].


وُزِّعت من هذا الكتاب, الذي نشر في طرابلس, ملايين من النسخ, وتُرجم إلى لغاتعدة. لكن ما هو هذا الكتاب ؟ ينقسم الكتاب الأخضر إلى ثلاثة فصول, يبدأ أولها,المعنون بـ "حل المشكل الديمقراطي", بالسخرية من الأنظمة الديمقراطيةالموجودة في العالم؛ فالمؤلف يعتبر النظامَ السياسيَّ الذي يقود إلى فوز مرشحبنسبة 51%, من مجموع أصوات الناخبين, مثلا, نظاما ديكتاتوريا, لكنه متنكر في لباسديمقراطي. كما أن مجموع الأصوات التي تحصل عليها من خسروا الانتخابات يمكن أن تكونأكثر من تلك التي حصل عليها المرشَّح الفائز, الذي يُعتبر نجاحه "شرعيا,وديمقراطيا". وينتقد, في اندفاعِ, المجالسَ البرلمانية, التي لا تعد, فينظره, ديمقراطية, لأن "الديمقراطية تعني حكم الشعب, لا سلطة نائبه عنه".أما النائب, فإنه يغتصب, بحسبه, سلطة الجماهير, ويتكلم باسمهم. لذا يجب"النضال, من خلال الثورة الشعبية؛ من أجل تحطيم أدوات احتكار الديمقراطية,والسيادة السالبة لإرادة الجماهير, المسماة المجالس النيابية...وأن تعلن صرختهاالمتميزة المتمثلة في المبدإ الجديد : لا نيابة عن الشعب". لا تزيد فضيلةالأحزاب, بحسبه, عن تلك التي يراها للبرلمانات : "الحزب هو أداة الحكمالديكتاتورية الحديثة؛ إذ إن الحزب هو حكم الجزء للكل...". كما "أنمصالح المجتمع...لا بد أن تذهب ضحية لتطاحن أدوات الحكم على السلطة"؛ لأنالمعارضة الراغبة في أن تحل محل الحزب الحاكم, ستقلل من أهمية إنجازاته, حتى لوكانت مفيدة للشعب. يضاف إلى ذلك, ما يعرفه القذافي جيدا عن الأحزاب؛ لرشوته كثيرامنها, ومن المجموعات, في العالم: "الأحزاب يمكن شراؤها, أو رشوتها من الداخل,أو من الخارج". يبقى الاستفتاء. أيمكن أن يكون الصيغة السحرية, التي يمكن, منخلالها, إرساءُ دعائم ديمقراطية مباشرة حقيق؟ يعتقد العقيد بعدم إمكانية ذلك؛ لأن"الاستفتاء تدجيل على الديمقراطية؛ إذ إن الذين يقولون (نعم), والذين يقولون(لا), لم يعبروا في الحقيقة عن إرادتهم". وقد ضرب مثلا, للصحفيين اللبنانيين.غسان تويني, ومروان حمادة, اللذين جاءا لإجراء مقابلة صحفية معه, الاستفتاءَ الذيقرر إجراءَه الجنرال د يجول, بتاريخ 27 أبريل من عام 1969, فقال : "لم يكن منأجاب بلا, عدوا كارها الجنرال دي يجول, لكنه أجاب عن أسئلة محددة"[3].لكن كيف يمكن الحكم, بدون برلمان, وبدون حزب, وبدون استفتاء ؟ الإجابة سهلة جدا :"تتأسس النظرية الجديدة على سلطة الشعب, دون تمثيل. إنها تحقق ديمقراطية مباشِرة,لم تجد لها, إلى حد الآن تطبيقا على أرض الواقع, ونقصتها الجدية, بسبب غيابالتنظيم الشعبي الأساسي". لكن ما ذا عن المحسوس واقعا؟ يدعو الكتاب الأخضرإلى تبني "آلية جديدة", تتمثل في تقسيم الشعب إلى مؤتمرات شعبية أساسية,على أساس إقليمي (أحياء, وبلديات[4]).أما أعضاء هذه المؤتمرات, فإنهم ينتمون إلى كل الطبقات الاجتماعية, والمهنية,وعليهم أن يتجمَّعوا, إلى جانب انتمائهم إلى هذه المؤتمرات الشعبية الأساسية, فيمؤتمرات شعبية مهنية. وهم لا ينتخبون, وليست لهم أي مهمة تمثيلية. بل هم أعضاءفقط.
يَختار كل مؤتمر شعبي أساسي أمانة عامة له,وتجتمع هذه الأمانات لتشكل بدورها مؤتمرات شعبية [غير أساسية], ثم يختار كل مؤتمرشعبي أساسي لجنة إدارية شعبية؛ تحل محل الإدارة الحكومية. وتدير كلَّ مرفق منمرافق المجتمع, لجنةٌ شعبية, تكون مسؤولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساسية, التيتحدد سياساتها, وتراقب أعمالها.ويتم في النهاية إنشاء مؤتمر شعبي عام (أو مؤتمروطني)  يضم كل أمانات المؤتمرات الشعبية,واللجان الشعبية, والاتحادات, والروابط المهنية ويجتمع مرة في العام. كل المواطنينأعضاء في المؤتمرات, وكل ممثليهم لا يزيدون عن كونهم ناطقين باسم الوحدات التييمثلونها, ولا يتمتعون بأي نوع من الاستقلال, على عكس النواب الكلاسيكيين . أماالقرارات التي تصوغها هذه المؤسسة التشريعية العليا, فيتم طرحها أمام اللجانالشعبية, التي يجب عليها تنفيذها, تحت رقابة المؤتمرات الشعبية الأساسية, ويجتمعأمناء مؤتمر الشعب العام في لجنة شعبية عامة, ويقومون مقام الوزراء.
نحن, في الواقع, أمام تعدد المجالس (مؤتمرات شعبيةأساسية, ومؤتمرات شعبية, ولجان شعبية, ومؤتمر شعبي عام, ولجنة شعبية عامة) ـ دونأن ننسى اللجان الثورية المخيفة, تلك المليشية السياسية التي تأسست بتاريخ 2نوفمبر 1977, خارج إطار الكتاب الأخضر, والمسؤولة على جرائم كثيرة ـ وبعثرةللسلطة, يناسب, في الأساس, العقيد الذي تبنى دائما سياسة فرق تسد. كما أن الكتابالأخضر, لم يقل كلمة واحدة عن مهمات قائد الثورة ـ كما لو كانت أمرا مفروغا منه,أو أنها فرت من كل دستور ـ لماذا لم ينتخب ؟ كم مدة حكمه ؟ أخالد هو ؟ معمر لايجيب عن هذه الأسئلة.
لكن هذا النظام, الذي يعتز به القذافي كثيرا, والذي جعله يقول, متفاخرا, :"لا يوجد أي تصور لمجتمع ديمقراطي حقيق خارج إطار النظرية العالميةالثالثة", وإن "أي سويدي سيكون أكثر سعادة, إن عاش في الجماهيرية, فَسَد؛فقد مارست اللجان الثورية, منذ عام 1977, "رعبا" فعليا على الشعب, وعلىالسلطات الأخرى,  و"مراقبةأيديولوجية"[5] علىالمواطنين, وأشرف أعضاؤها, بأنفسهم, على جلسات اللجان الشعبية, وبدأوا, منذ عام1979, في اختيار أعضائها جهارا نهارا. كما تسللوا إلى الجيش, وإلى مؤتمر الشعبالعام, وسيطروا على الصحافة, وملكوا صحيفة أسبوعية أسموها ببلاغة, الزحف الأخضر,وأصبحت لهم آليتهم القضائية الخاصة بهم, هي المحكمة الثورية, التي تعمل وفق شروطاعتباطية. تمثل حركة اللجان الثورية, باختصار, دولة داخل الدولة, ويزيد عددأعضائها على 300000 عضو, و30000 ميليشية, وهي, في الوقت نفسه, الشرطة, والمخابرات,والحزب الحاكم الذي ينظم مسيرات تأييد لقائد الثورة الليبية[6].الأدهى من ذلك أن النظام أنشأ "مثابات ثورية", يديرها موسى كوسة؛ بغيةتصدير الثورة الجماهيرية, للدول المجاورة, وللقضاء على المعارضين في الخارج, ولميتم حلها إلا في شهر أكتوبر من عام 1993.
بدأنا نشهد, مع أخذ كل الأمور في الاعتبار, سيطرة حزب وحيد, على الرغم منرفض القائد لهذه الفكرة في كتابه الأخضر. تقارن مناهج اللجان الثورية, مع تفاوتالنسب, بمناهج الكي جي بي, والحرس الأحمر الصيني, والحرس الثوري الإيراني, أو جهازالمخابرات النازي (ستازي), المعروفين بتفوقهم في ما يتعلق بتصفية المعارضين ـ"تصفية" كان يتمناها العقيد نفسه[7],الذي رمي, في مرات عديدة, مسؤولية الجرائم المرتكَبة, على هذه اللجان, التي يدعىعدم سيطرته عليها, مذكرا, بين قوسين, أنه "ليس رئيسا, ولا رئيس حكومة"[8].
تفشى, من جهة أخرى, الفسادُ في كل أجهزة النظام, إلى الدرجة التي اعترف لنافيها أستاذ لغة فرنسية في جامعة بنغازي, أنه يمضي وقته في "الكولسة", أيفي محاولة التدخل وراء الكواليس من أجل إنجاز إجراء عادي, أو حل مشكلة؛ لأنالإدارة كلها متصلبة. كما أن قرارات عديدة اتخذها قائد الثورة, لم يجزها, ولميوافق عليها, مؤتمر الشعب العام, الذي يحدد, القذافي نفسه, جدول أعمالهاليومي,  ويوجه مناقشاته. باختصار, يتصرفالطاغية بمفرده. فقد أجاب منزعجا, عندما سأله المفكر المصري سعد الدين إبراهيم,خلال مناقشة تلفزيونية نُقلت على قناة الجزيرة, عما إذا كان قد حصل على موافقةالمؤتمر قبل أن يقرر التخلي عن الخيار العربي لصالح الخيار الإفريقي, قائلا :" الشعب الليبي يعرفني, ويحبني, ويتبعني أيمنا ذهبت. أنا الشعب الليبي,والشعب الليبي هو أنا ! ". لويس السادس عشر ليس بعيدا ! وأضاف, أمام مؤتمرالشعب العام, بتاريخ 27 يناير من عام 1990, قائلا : لست مسؤولا أمام أحد منكم؛ لأنمن يقوم بثورة دون مساعدة من أحد يملك شرعية تمنحه كل الحقوق, ولا يمكن لأحد نزعهامنه (...). نحن, قادة الثورات, لسنا مسؤولين سوى أمام ضمائرنا..."
لقد أظهرت, علاوة على ذلك, ثورة فبراير 2011, محدودية النظام؛ فلم تتم, علىعكس ما كان يفكر القائد في كتابه الأخضر, معالجُة "الانحراف عن قانونالمجتمع" "بطريقة جماعية, من خلال المراجعة الديمقراطية, لا عن طريقالقوة"؛ لأن اللجان, والمؤتمرات الأخرى, المخترَقة من قبل النظام, والتابعةللعقيد, والمحرومة من الاستقلال, لم تعد تعكس آمال, وشكاوى جزء كبير من الشعب. لذاكانت القوة, في ظل جمود, وتواطؤ المؤتمرات الشعبية, الجوابَ الوحيد لإسماع صوتالشعب, وكسر قبضة الطاغية.
كتب القذافي, فيما يتعلق بالصحافة, الآتي: " ليس من المقبولديمقراطيا, ملكيةُ شخص طبيعي, وسيلة نشر, أو إخبار" بدعوى أن مالك الصحيفةيعبر عن وجهة نظره الشخصية, التي ليست بالضرورة وجهة نظر الجماهير. فالصحافةالديمقراطية, بحسبه, "هي تلك التي تنشرها لجنة شعبية مكونة من كل الطبقاتالاجتماعية (...), وتعكس تصور المجتمع كله العام". يتضح, في ضوء هذه النظرية,سببُ عدم ثقة القائد في الصحفيين؛ وعدمُ وجود صحافة حرة في ليبيا, وكذلك سببمراقبة المراسلين الأجانب الدائمة, وعدم الرغبة في وجودهم؛ فقد تم, في بدايةالصراع في عام 2011, خطفُ, أو قتلُ عدد منهم[9],وتعرضت قناتا الجزيرة, والعربية, اللتين غطيتا, بشجاعة الأحداث, للسب على الملإ,بشتائم تلفظ بها العقيد نفسه, ـ مما تسبب في تعريض حياة صحفيي المحطتين, اللتيناتهمهما المقربون من القذافي بالتضليل,[10]للخطر. تَعود القذافي, المزدري, على لعب لعبة الاختفاء مع الصحفيين, وعلى تركهمينتظرون, وعلى دعوتهم لإجراء مقابلات معه, لكنه كان يختفي في آخر لحظة. يحكي سيريلدروويه, أنه ذهب إلى ليبيا, في شهر سبتمبر 1994, لإجراء لقاء "حصري" معالقائد[11],واضطُر للانتظار, خمسة أيام, في الفندق, تحت مراقبة جلاوزة النظام, قبل أن يكتشف,في قنوط, دعوة حوالي عشرة صحفيين آخرين ؛ لمقابلته "حصريا". ثم وجدالجميع أنفسهم, بعد ذلك, في ثكنة عسكرية قريبة من طرابلس, وصل إليها القائد فيسيارة من نوع بيجو 504 بلون بني فاتح, وأجاب, في هذيان, على بعض الأسئلة, وقامباصطحاب الحاضرين في زيارة للمكان, ثم اختفى, دون سابق إنذار, بعد خمس وعشريندقيقة من وصوله ! دفع طلحة جبريل, الذي ظل زمنا طويلا مدير مكتب صحيفة الشرقالأوسط في الرباط, هو أيضا ثمن نزوات القذافي؛ فقد تركه ينتظر, بعد أن دعاه لإجراءمقابلة صحفية معه, في الفندق عدة أسابيع. يتذكر أن "اللقاء قد مر على أحسن مايرام, وأن القذافي قد كان ودودا للغاية. لكنهم أحاطوني علما بأنني لا يمكننيمغادرة التراب الليبي, ما دامت الصحيفة لم تنشر المقابلة حرفيا. لقد قدَّم إليعثمان العمير, رئيس التحرير آنذاك, خدمة كبيرة, بأن نشر المقابلة كلها. لولا ذلك,لربما بقيت معتقلا في ليبيا. من يدري ؟"
يطرح القائد في الفصل الثاني من الكتاب الأخضر, المعنون بـ " حل المشكلالاقتصادي: الاشتراكية" "أسس النظرية العالمية الثالثة الاقتصادية,فالأجرة, بحسبه, هي  نوع من العبودية؛ لذايجب "الرجوع إلى القانون الطبيعي الذي نظم العلاقات الإنسانية قبل ظهورالطبقات, والحكومات, والتشريعات الوضعية....فالعدالة التي تُمليها القوانينالطبيعية ترى أن ينال كل عنصر من عناصر الإنتاج حصته منه". يدعو العقيد,انطلاقا من هذا القانون الطبيعي, إلى اشتراكية مبنية على المساواة بين عناصرالإنتاج, وضامنة توزيع إنتاج الطبيعة بين الأفراد «بالتساوي تقريبا". ويعتبر,استحواذ الإنسان على  أكثر من حاجته, منوجهة نظره, خروجا عن القانون الطبيعي, وبداية فساد, وانحراف الجماعة البشرية,وإنذارا بظهور مجتمع الاستغلال. يمثل اعتماد الإنسان على الآخرين للحصول علىحاجاته نوعا من العبودية, ومصدرا دائما  للصراعات. لذا ينبغي أن تكون الأشياء الأساسية,التي يحتاجها الإنسان ملكا له, وان يتم القضاء على ظاهرة الإيجار. كما يمكن لكلعامل يملك آلة عمله أن ينتج لحسابه الخاص, ويمنع بالتالي أي نوع من أنواعالاستغلال. ويتواجد هذا الشكل الجديد من أشكال الملكية الخاصة مع "الملكيةالاشتراكية", التي يعتبر فيها كلُّ المنتجين شركاء. إن الاعتراف بالربح هواعتراف بالاستغلال, وإن المرحلة النهائية لتحقيق الاشتراكية, تكمن, بحسبه, فيإلغاء الربح, والنقود.
لكن وضعَ هذه الأفكار, اللقيطة, والمقترضة من الشيوعية, أو من الاشتراكية,بطريقة خرقاء, والتي أعاد قراءتها عقل القذافي, موضعَ التطبيق لم يكن مقنعا؛ لأنفي ذلك تلبيس مجتمع بدوية نظرياتِ أجنبيةً بطريقة اصطناعية. فقد زرع اختفاءالمحلات التجارية الصغيرة, والاستيلاءُ على قطع الأراضي التي تزيد مساحتها عن عشرةهكتارات, ووضعُ لجان منتخبة اليدَ على الشركات الخاصة, وإصلاحُ المهن الحرة التياعتبرت "غير مناسبة لسلطة الشعب", في عام 1981... الفوضى في البلاد,وأثار هجرة حوالي مائة ألف تاجر, ومفكر إلى مصر, وإيطاليا, وبريطانيا, والولاياتالمتحدة. كما لم يُفلح هذا الارتجال, وتلك التغيرات المفاجئة, والغير مناسبة, فيبناء منظومة اقتصادية ثابتة, ومتماسكة, تتماشى مع المبادئ التي فرضها العقيد...أماالإدارة العامة, التي تضم 862000 "طفيليا", والتي يقوضها الفساد,والبيروقراطية, والوظائف الوهمية ـ كشف لنا أستاذ جامعي أن هناك أناسا ميتين, أوأطفالا مسجلين "موظفين"؛ لتستفيد من مرتباتهم أسرهم ـ فهي ديناصور يصعبالقضاء عليه.
يعالج القائد في الفصل الثالث, المعنون بـ "أسس النظرية العالميةالثالثة الاجتماعية", عددا من المواضيع المهمة؛ فيتحدث عن الأقليات, ويُنَصبنفسه رافع لواء القومية, كما يؤكد على دور الأسرة, والقبيلة "التي تشكل عائلةكبيرة", والتي تتميز "بالاهتمام بكل أعضائها. يعتبر, في مقاربته مسألةالقومية, أن البناء السياسي الذي يضم عددا من القوميات, محكوم على ترابه بالتفتتحلأن كل قومية ستسعى للاستقلال تحت شعار القومية. "الدولة الأمة, بحسبه, هيالصيغة السياسية الوحيدة التي تتمشى مع البناء الاجتماعي الطبيعي. أكد القذافي,بعد إقراره بمساواة المرأة الرجل, أن المرأة لا يمكنها ممارسة أعمال شاقة؛ لأنهالا تملك بناء جسمانيا كذلك الذي يملكه الرجل "الذي لا يلد, ولا يرضع",وبالتالي"  فيجب ألا يُفرض على منستصبح أما أعمالا لا تتناسب مع طبيعتها". ثم يعلن بأنه ضد الإجهاض الاختياري,وينتقد رياض الأطفال (أو الحضانات)؛ لأن, "فصل الأطفال عن أمهاتهم, وجمعَهمفي دور حضانة, يحولهم, كما يقول,  إلى مايشبه أفراخ الدجاج؛ فدور الحضانة تشبه محطات التسمين التي تجمَّع فيها الأفراخ بعدفقسها". والدليل على ذلك أن "لحم طيور المحطات غير مستساغ, ولا قيمةغذائية له؛ لأن الطيور لم تنشأ نشأة طبيعية, أي لم تنشأ في ظل الأمومة الطبيعية.إن الطيور البرية أشهى, وأنفع؛ لأنها نمت نموا طبيعيا, وتغذت غذاء طبيعيا".لم يكن بإمكان كونار لورنز أن ينكر هذه النظرية العلمية الهائلة !
يعلن القذافي, في آخر فصول كتابه, أن "السود سيسودون العالم" ـتحققت هذه النبوءة, تقريبا, بانتخاب باراك أوباما على رأس القوة العالميةالأولى  ! ـ ثم يدنو, دون أي استمرار فيالأفكار, من قضية التعليم الإلزامي؛ ليؤكد أن "إجبار الناس على التعلُّم,باتباع  برنامج معين, وفرضِ مواد معينةعليهم عمل ديكتاتوري"؛ لأن المجتمع, بحسبه, ملزم بتوفير كل أنواع الأنشطةالتربوية, التي تسمح للشباب باختيار المواد التي يرغبون في دراستها, بكل حرية,وعفوية". يخلص القائد, بعد أن لاحظ  أن"الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها, وتراثها, إلى الحديث عن الرياضة؛ التي هي,بحسبه, ضرورية, كالصلاة, والغذاء, لكن ـ وهذه نقطة خلاف كبيرة بينه, وبين هتلرالذي وضع, مع مدحه القوة الرجولية, والرياضة في كتابه كفاحي, كل إمكانيات الرايخالثالث لإنجاح ألعاب برلين الأولمبية في عام 1936 ـ ليس من المقبول أن يكتفي الشعببالتفرج على المنافسات الرياضية, بدل ممارسة الرياضة : "إن الآلاف التي تملأمدرجات الملاعب لتتفرج, وتصفق, وتضحك, هي الآلاف المغفلة, التي عجزت عن ممارسةالرياضة بنفسها". من حقنا أن نسأل, عندما نعلم أن ليبيا قد ترشحت لتنظيم كأسالعالم في عام 2010, كيف يمكن أن يتناسب ذلك الترشيح مع تعاليم القائد؟...لكنه, فيالحقيقة, ليس التناقض الوحيد الذي يقع فيه القذافي. !
مهما يكن الأمر, فقد أثار الكتاب الأخضر إعجاب كثير من المتملقين الليبيين,والعرب؛ فهناك ثلاثة مجلدات ضمت أعمال ثمانية مؤتمرات, نشرت في طرابلس[12],تؤكد على أهمية هذا الكتاب, وعلى "عبقرية" مؤلفه. كما قام القذافي,الراغب في نشر الخبر الجيد, بإنشاء مؤسسة دولية لمؤيدي الكتاب الأخضر, أنشئت بقرارمن أمانة مؤتمر الشعب العام تحت رقم 27/2009, من أجل مدح قيم "النظرية العالميةالثالثة" الفكرية, ومبادئها الإنسانية, في أنحاء العالم. وقد انعقد  أول مؤتمر دولي نظمته هذه المؤسسة, في سرت, فيعام 2009, بمناسبة مرور أربعين عاما على ثورة الأول من سبتمبر, وجمع عشرات منالمشاركين المتحمسين. قدم فيه رئيس المؤسسة أحمد إبراهيم القذافي, بألقاب خرقاء,أكثر منها ألقاب مدح : "باسم الله, وباسم الفاتح العظيم, نحيي المفكر,والمعلم, والقائد, معمر القذافي, صاحبَ هذا المشروع العظيم, ومؤسسَ حركة الوحدويينالأحرار, وحركةَ اللجان الثورية, التي ننتمي إليها كلنا... عندما يظهر القائد, يظهربطل الملاحم الشهيرة , وتظهر الإنجازات الكبيرة, والنهر العظيم...نحييك أيهاالقائد, الذي أعاد كتابة التاريخ على هذه الأرض المجيدة. نحن مؤيدون لفكرك الأخضرالطليعي, الذي يشع نوره على  العالم كله".ألقى "بطل الملاحم الشهيرة" نفسه, في نهاية المؤتمر, كلمة وبخ فيهاالأحزاب, والمجالس البرلمانية, والاستفتاء, وتأسف لعدم الاستماع لصوت النظريةالعالمية الثالثة بشكل كاف, "بسبب هذا النشاز الذي يسود هذا العالمالمتقلب" !
لقد علا, في وسط حفلة المديح هذه, صوتٌ, وتجرأ على القول, في شهر مايو منعام 2010, بأن "الكتاب الأخضر, ليس كتابا مقدسا, وبأن هناك أخطاء عدة ارتكبتفي الماضي, بسبب قراءة ثابتة لنظرية الكتاب الأخضر, وبأن لكل شخص الحق في نقده,ونقض كل أطروحاته".[13]إنه صوت...سيف الإسلام القذافي, ابن القائد.



[1] Gamal Abdel Nasser, Egypt’s Liberation : ThePhilosophy of the Revolution, Washington, Public Affairs Press, 1955.
[2] Mouammar Kadhafi, Le Livre vert, Cujas, 1976 ; Albouraq,2007 ; Centre mondial d’études et de recherche sur Le Livre vert(Tripoli), 4e éd. 2007.
[3]  النهار, 18 يناير 1975, عدد 12350.
[4]  قسمت ليبيا, إداريا, إلى ثلاث, محافظات, ثم إلىعشر. كما قسمت بعد ذلك إلى بلديات (1983 ـ 1995), ثم غلى شعبيات, ضمت كل منهامابين عشرة, إلى خمسة عشر مؤتمرا أساسيا. (لم تقسم ليبيا يوما إلى ثلاث محافظات,لكنها قسمت إلى ثلاثة أقاليم. المترجم).
[5] Dirk Vandwelle (dir), Quadhafi’s Libya1969-1994, St Martin’s, Press, New York, 1995, p. 101.
[6] Jeune Afrique, 23 février 2011.
[7]  انظر, على سبيل المثال, خطابه بتاريخ الأول منشهر مارس من عام 1981.
[8] Interview  de Kadhafi à BBC Two,24 juin 1980 ; interview à la revue italienne Panorama, 7 juin1980.
[9]  قتل, بتاريخ 20 أبريل من عام 2011, مصورانمراسلان, هما : البريطاني تيم هيثرينجتون (المرشح لنيل جائزة الأوسكار عن فيلمهالوثائقي ريستريبتو), والأمريكي كريس هوندروس (المرشح لجائزة بولتيزير), فيمصراتة, بقذيفة هاون أطلقتها عليهم قوات القذافي. كما اختفى, بتاريخ 4 أبريل منعام 2011, أربعة صحفيين آخرين, أمريكييين, وإسباني, وأفريقي جنوبي, ولم يطلقسراحهم إلا بتاريخ 18 مايو. وهناك, بحسب المجلس الوطني الانتقالي, ستة صحفيون بينيدي القذافي.
[10]  قتل مصور الجزيرة, على حسن الجابر, بتاريخ 12مارس 2011, في كمين قرب بنغازي. كما أن مصير زميله العتول, الذي اعتقل بتاريخ 7مارس, ما يزال مجهولا.
[11] Le Figaro Magazine, 26 février 2011.
[12]  عبده وازن, الحياة, 28 فبراير 2011.
[13]  محاضرة ألقيت في لندن, بتاريخ 25 مايو 2010,موضوعها  : "ليبيا, الماضي, والحاضر,والمستقبل".

Followers

Pageviews