بلدية طرابلس وأحداث القرن الماضي (1911 م – 2011 م) (الحلقة الثانية)

بسم الله الرحمن الرحيم
بلدية طرابلس وأحداث القرن الماضي (1911 م – 2011 م)
(الحلقة الثانية)
تحية وسلاما وحمدا على النصر ورحمة واسعة على شهداء ليبيا الأبطال والشفاء العاجل والكامل لجرحانا المغاوير ، وندعو الله أن يجعل ليبيا بلدا آمنا مطمئنا.
بعد أن تكرمت المنارة للإعلام بنشر الحلقة الأولى من استعراض أهم أحداث القرن وآثارها على مدينة طرابلس ، اتصل بي بعض المواطنين مقترحين كتابة مذكراتي في الموضوع . وقبل البدء في كتابة الحلقة الثانية رأيت أن أشكر جميع من أبدى الرغبة في قراءة مذكرات حول مدينتنا . وأود أن أعلم الجميع أني لست مؤهلا لكتابة مذكرات حول عاصمتنا إذ أن خبرتي في الموضوع لا تتجاوز عملي كموظف صغير في السجل المدني لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات في فترة الحرب العالمية الثانية ، ورئاسة البلدية لمدة سنة ونصف في آخر أيام الحكم الملكي. وفي تقديري أن مرد هذه الاقتراحات هو تعطش مواطني المدينة لمعرفة تاريخ تطور مدينتهم خلال القرن.وكأني بهم يوجهون نداء لمؤرخينا لتوثيق أحداث تطور المدينة في القرن الماضي.
وعودة إلى موضوع الحلقة هذه أقول إننا خلصنا في الحلقة الأولى إلى أن المدينة لم تشهد خلال القرن – موضوع البحث – تطويرا على أساس منهج متكامل يغطي كل احتياجاتها إلا في فترة الثلاثينات من القرن الماضي. كما خلصنا إلى أن الليبيين استلموا دفة البلاد في فترة ستين سنة من القرن متمثلة في الحكم الملكي والحكم القذافي إلا أنهم لم يفلحوا في العمل على تطوير عاصمة تتوفر فيها الخدمات المطلوبة لقصور في العهد الملكي وتقصير في العهد القذافي.
لقد قلنا بأن الإدارة الإيطالية قد طورت المدينة وفق منهج مدروس متكامل ، فقد خططت – فيما يخص الإسكان مثلا – لتوفير المساكن حسب حاجة التركيبة السكانية في ذلك الوقت والتي تتمثل في :
-1- السكان الليبيين
-2- الإيطاليين
-3- اليهود
-4- بعض الجاليات الأخرى كالمالطيين
ولقد تركز جزء كبير من نشاط التطوير في بناء العمارات السكنية والدارات الأنيقة لاستعمال الإيطاليين المستعمرين ، واستمر الليبييون في شغل مساكن المدينة القديمة وكذلك أكثر عناصر الطائفة اليهودية فيما كان يسمى في ذلك الوقت " بالحارة ". كما استعمل بعض صغار التجار والحرفيين من الليبيين والإيطاليين بعض المساكن الحديثة نسبيا في شارع بالخير وشارع ميزران وشارع الصريم. لقد شارك الموسرون من اليهود الإيطاليين في استعمال الشقق في العمارات الجديدة ، بينما كان نصيب الجالية المالطية وبعض الجاليات الأخرى السكن في بعض البيوت المتواضعة في أحياء الظهرة الكبيرة والظهرة الصغيرة.
لقد أسلفنا في الحلقة السابقة أنه لم ينته عقد الثلاثينات من القرن حتى اكتمل نمو المنطقة المركزية من المدينة مع محاولة إيطاليا طمس ما هو عربي واستبداله بالإيطالي ، من ذلك أسماء الشوارع جرت طلينتها بالكامل فتحول شارع العزيزية مثلا إلى شارع " عمانويل " – ملك إيطاليا في ذلك الوقت – والشارع الغربي إلى " بالبو " وهو الوالي الإيطالي لمنطقة طرابلس. وتحول شارع الوادي إلى " بيومونتي " وشارع ميزران إلى " لازيو " والأخيران مقاطعتان في إيطاليا. كما تحول ميدان سيدي حمودة إلى ميدان إيطاليا. ولعله من الإنصاف أن نشير إلى أن الإدارة الإيطالية في حركة التطوير قد أعطت أسماء إيطالية لكل شوارع وأزقة المدينة المطورة  ، إلا أنها لم تقم بالمساس بالمساجد والجوامع واقتصرت على تجديدها في المناطق المطورة بشكل متناسب مع الطراز المعماري الذي استعملته في البناء ، من ذلك أن لا يكون لمآذن المساجد أي بروز على ما حولها من مبان. لذلك بقي مسجد سيدي حمودة في مكانه وجدد بشكل أنيق وقد أضيفت له مكتبة حديثة عرفت بمكتبة الأوقاف. وقد كان لها الفضل في ذلك الوقت في توفير الاطلاع على أمهات الكتب وأبرز ما ينشر في الشرق العربي من أدب وشعر.  ومن المعلوم أن سيدي حمودة يعتبر أحد معالم مدينة طرابلس ، ولقد بقي الضريح والمسجد في مكانه حتى فوجئنا ليلة من أيام الحكم القذافي بتهديمه مع عمارة الأوقاف التي تتصل به. فقد فقدت المدينة هذا المعلم ربما إلى الأبد وياللأسف!!!
وإنه لمن الملاحظ أن تخطيط المدينة شمل بناء سور اسمنتي مرتفع ليحيط بالمدينة من شاطئ البحر غربا  إلى شرقه فيما عرفه الليبييون باسم " الكردون " وهو مأخوذ من كلمة إيطالية تعني الوشاح. ويتخلل هذا السياج أبواب سميت بأسماء المواقع التي تؤدي إليها الطرق من تلك الأبواب ، مثل باب قرقارش وباب بن غشير الذي حولته إيطاليا إلى اسم " بنيتو " وباب تاجوراء وباب العمروص. والغاية من هذا السياج في المقام الأول هو تحديد المدينة المطورة وفصلها عما وراءها من أرض ، وكذلك لصد هجمات المجاهدين الليبيين.
لقد سبق الذكر أن الإدارة الإيطالية قد أظهرت قدرا من الاحترام للمساجد والجوامع إلا أنها لم تبد أي قدر من الاحترام والتقدير لسكان المدينة العرب ، ويتمثل ذلك في القرى التي أنشأتها خلف سور المدينة في كل من باب بن غشير وباب تاجوراء إذ لم توفر فيها أبسط طلبات السكن اللائق من المرافق الضرورية كدورات المياه والمطابخ والماء والطرق. ولا ننسى أن إيطاليا قامت ببناء هاتين القريتين لإيواء الليبيين وعائلاتهم الذين جندتهم ليشكلوا جزءا من الجيش الإيطاليّ!! إن بناء هاتين القريتين وراء السور شجع محدودي الدخل من الليبيين اللذين لا يملكون سكنا على إقامة ما يعرف بقرى الصفيح التي امتدت وراء السور مكونة قرى جديدة كباب عكارة وسيدي منصور والهاني. لقد كبرت هذه القرى وكبرت معها مشاكل جمة فيما يتعلق بالحالة الصحية والاجتماعية والاقتصادية لسكانها ، وهم جزء كبير من سكان المدينة. وزاد الأمر تعقيدا بعد أن أزالت البلدية السور الذي كان يفصل المدينة المطورة عن هذه القرى.
أحيانا تُشَبّه المدينة بالإنسان ، فكما أن الإنسان يولد وينمو كذلك تولد المدينة وتنمو. وقد تشبه الخدمات التي يحتاجها سكان المدينة بالملابس التي يحتاجها الإنسان ، فكلما كبرت المدينة يجب أن تكبر معها الخدمات التي إذا لم توفر في الوقت المناسب تجعل حياة السكن مليئة بالمشاكل ، شأنها في ذلك شأن حاجة الإنسان للملابس التي تناسبه وفقا لنموه.
تركت إيطاليا مدينة طرابلس في أوائل عام 1943 م وكان السور هو الحد  الفاصل للمنطقة التي شملها التطوير. لقد سبق أن ذكرنا أن حركة البناء قامت عند اكتشاف النفط وكانت سرعتها تفوق سرعة خدمات البلدية بشكل كبير مما ترتب عليه توسع المدينة غربا في الأول فيما عرف ب " جورجي  بوبولي" و " فلورا بوبولي "  ( حي الأندلس الآن ) وامتدت حتى جنزور ، كما امتدت جنوبا لما يعرف بالهضبة الخضراء وعين زارة وشرقا حتى تاجوراء.
إن توسع المدينة بدون منهج متكامل وبدون توفير الخدمات الضرورية جعل من المدينة الموسعة مشكلة لإدارة بلدية طرابلس قد تستعصي عن الحل ما لم يبادر إلى تصحيحها وفق منهج مدروس. والسؤال الآن هو : هل يمكن الاستعانة بالمنهج الذي استعملته الإدارة الإيطالية في تطوير المدينة؟ وقبل أن نخوض في تفصيل هذا المنهج نوجه نداء حارا لكل كفاءاتنا الليبية في الشؤون الإدارية والفنية الخاصة بالمدينة أن يدلوا بآرائهم فيما يتعلق بهذا الاقتراح.
لقد حان الوقت أن نجند كل امكانياتنا لإصلاح المشاكل المترتبة على قلة الخبرة والأموال وعدم سيطرة العنصر الوطني على إدارة البلاد التي شهدتها المدينة في العهد الملكي ، ونتيجة للتسيب والعبث والفوضى في عهد القذافي.
وفقنا الله وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.
على جمعة المزوغي
آخر عميد لبلدية طرابلس في العهد الملكي

No comments:

Post a Comment

Followers

Pageviews