ترجمة : خالد محمد جهيمة : الفصل الثامن عشر من كتاب تشريح طاغية


العائلة
الفصل الثامن عشر من كتاب تشريح طاغية
الكسندر النجار Alexandre Najjar
ترجمة : خالد محمد جهيمة Kaled Jhima

محاباة الأقارب هي القاعدة في العالم العربي؛فقد حل بشار الأسد محل أبيه, وكان حسني مبارك يعد ابنه, الذي استفاد, بكل سرور, منموقع الوصيف, لخلافته,  كما ترك صدام حسينابنيه عدي, وقصي يفعلان ما يشاءان [في العراق]. أما ابن على, فقد وقع تحت ضغطزوجته "ملكة قرطاج"... تتحدث برقية دبلوماسية بُعثت في شهر مارس 2009,كشف عنها موقع ويكيليكس, عن "حرب ضروس" بين أبناء القذافي تمنح"المراقبين المحليين مواضيع للنميمة لكتابة مسلسل ليبي", وقد بدأت هذهالتوترات تتفاقم, بحسب دبلوماسيين أمريكيين, بظهور سيف الإسلام القذافي في مشهدالحياة العامة. ما المعروف عن عائلة الطاغية الليبي؟ وما هو الدور الذي لعبته كلفسيلة من فسائلها؟

لمعمر القذافي تسعةُ أولاد (من ضمنهم بنتبالتبني), من زوجتين, هما : فتيحة النوري (طلقها في عام 1970), التي أنجب منهاولدا, اسمه محمد, الذي أصبح فيما بعد رئيس هيئة الاتصالات الليبية, واللجنةالأولمبية [الليبية], ونادي السيارات. وقد تصدرت أخباره وسائل الإعلام, عندما فتححراسه النار, في عام 2004, على فريق منافس لفريقه, الذي يملكه, فقتلوا الحكم,ولاعبين فورا. وهو في صراع مستمر مع إخوته لأبيه, وبخاصة فيما يتعلق بالحصول علىتوكيل الكوكاكولا في ليبيا.
أما من زوجه الثانية, صفية فركاش, فقد رزق منهاأولا, بسيف الإسلام, الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد, والمشارك بكثرة فيحياة بلاده السياسية, كما كان ينظر إليه باعتباره خليفة والده. لقد جسد, زمناطويلا, وهو داعية التحريرِ الاقتصادي, وتطويرِ النظام, الصورة الحديثة, التي كانتتتمنى ليبيا تقديمها للغرب لتستعيد بكارتها. ويقال إنه هو من نصح القائد ببدءتطبيع العلاقات مع الغرب. واصل تعليمه, بعد دراسة الهندسة المعمارية في طرابلس,نظرا لمنعه من دخول فرنسا, في المدرسة الدولية للأعمال في فيينا, التي ارتبط فيهابعلاقة صداقة مع زعيم اليمين المتطرف جورج هايدير .وقد وضعت نموره, التي كانيعشقها, كالمارشال جورينج ـ فالأرواح العظيمة تلتقي ! ـ, ويملك منها أربعة, فيحديقة حيوانات شونبرون, خلال إقامته في النمسا. أما "الوَصي" عليه, فيمايتعلق بأعمال الدولة, فهو موسى كوسة, رئيس المخابرات الليبية[1],الذي انشق عن النظام, ولجأ إلى لندن في أثناء ثورة 2011.
فاوض في عام 2000, من أجل تحرير الغربيينالذين أخذتهم جماعة أبو سياف الإسلامية المتطرفة, رهائنَ في الفلبين, في القضيةالتي عرفت "برهائن جولو", ونشر في عام 2003, تقريرا عن انتهاكات حقوقالإنسان في ليبيا, كما فاوض, في عام 2004, مجموعة من الدول الغربية, لتعويض ضحاياتفجيرين تورطت فيهما ليبيا, أي تفجيري لوكربي, و اليو تي إيه.  ولعب دورامهما, في عام 2007, في المساومات المتعلقة بقضية الممرضات البلغاريات. وقد كان هونفسه من استقبل, بتاريخ 21 أغسطس من عام 2009, الإرهابيِّ عبد الباسط المقرحي,المتورطَ في تفجير لوكربي, عند عودته إلى ليبيا, بعد أن أفرج عنه "لأسبابطبية". لكن هذا الملف كان, بحسب سيف الإسلام القذافي, الذي غالبا ما يفاجئ بصراحته,جزءا من مفاوضات تجارية تتعلق بعقود بين ليبيا, وبريطانيا ـ معلومة كذبتها الحكومةالبريطانية.
نَظَّم, وهو المعروف بمغامراته في العواصمالأوروبية, وبخاصة في باريس, في عام 2009, بمناسبة عيد ميلاده السابع والثلاثين, حفلاستقبال في جمهورية الجبل الأسود, كان من بين حضوره, المليارديران بيتر مانك,وأوليج دريباسكا. وقد وصل بعض المدعوين إليه في طائرات خاصة, حطت على ظهر يختينكبيرين راسيين أمام فندق سبلنديد في بيشيشي, الذي أقيمت فيه الحفلة.كما أقام حفلاتضخمة في موناكو, وسان تروبي.
يسيطر سيف الإسلام على عدد من المؤسسات,والشركات القابضة, الكبيرة[2], ويدير مؤسسة القذافي للتنمية, التي تأسست في عام 2007, ونسج شبكة من المعارف فيالغرب؛ لغرض  تزيين صورة عائلته. كما تمكنابن العقيد, الذي يرتدي دائما بزة مفصلة بطريقة رائعة, من نيل إعجاب سكان لندن,التي يملك في أحد أحيائها, أي حي هامبستيد جاردين, منزلا فخما, والارتباطِ بعلاقاتمع أكثرهم نفوذا,؛ فهو يعرف جيدا الأمير أندرو, الذي  أصبح, بحسب صديق له, ذكرته الصحافة البريطانية,"قريبا جدا من سيف الإسلام؛ فهما يعشقان إمضاء أوقات جيدة مع بعضهما البعض,ويستمتعان بذلك. يستطيع أندرو, بمكانته الملكية أن يفتح له أبوابا, كما يستطيع سيفأن يفتح لأندرو, بفضل أموال أسرته, أبوابا أخرى". زار الأمير أندرو, الذييشغل, رسميا, منصب الممثل الخاص, للتجارة الدولية, والاستثمار البريطانيين, ليبياثلاث مرات, بدعوة من ابن القذافي. كما يقال, بحسب المصدر نفسه, إنه نظم هو نفسه,عددا من حفلات الاستقبال لسيف الإسلام في القصور الملكية, كباكينجهام, وسان جيمس,وأيضا قصر ويندسور.
كان سيف الإسلام, أيضا, مدعو دائما عند وريثأخر, في نفس عمره, هو المصرفي ناتانييل دي روتشيلد, الذي يعتقد أن سيف قد التقى فيفيلته الواقعة في كورفو, سرا الوزير البريطاني, بيتر ماندلسون, لوضع تفاصيلالإفراج عن المقرحي[3]
وعد ابن القذافي, المتحصل على درجة الدكتوراهمن مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية منذ عام 2008, بتقديم مبلغ 1,5 مليون جنيهاسترليني (1,77 يورو), لهذه المؤسسة؛ لتمويل برنامج عن شمال أفريقيا, وقد دفع منهامبلغ 300000 جنيه إسترليني. لكن المدرسة العريقة قررت, بعد اندلاع ثورة فبراير2011, التراجع, وقطع علاقاتها به, كما أعلنت, بتاريخ 23 فبراير, أنها لن تجدددورات التدريب التي نظمتها في الماضي لصالح موظفين ليبيين, وأن أعمالها الاستشاريةالتي كانت تقدمها لصالح الصندوق السيادي ـ شركة الاستثمارات الليبيةـ والتي كانتتكافأ عنها بمنح دراسية, قد انتهت. كما اضطر مديرها هوارد ديفيز, الذي لوثت سمعتَههذه القضيةُ, إلى الاستقالة[4].من مصادر الإزعاج الأخرى للمدرسة, أن سيف الإسلام ربما يكون قد سرق عددا من مقاطعأطروحته ذات الأربعمائة والتسع والعشرين صفحة, والعنوانِ البليغ "دور المجتمعالمدني في التحول الديمقراطي للحكومات العالمية للمؤسسات : من السلطة الناعمة إلىآليات اتخاذ القرار الجماعي", والتي يؤكد فيها أن الأنظمة التي تَحرم شعوبهامن الحريات الأساسية هي "هدف شرعي لتدخل" دولي.
يمثل سيف الإسلام. الذي يصف نفسه, في إطاريسيطر عليه القائد دائما سيطرة جيدة, بأنه "مُحَفِّز, أي عنصر ينتج حضورُهتفاعلات, كما في الكيمياء"[5]جانبَ النظام الليبرالي, مما يتيح لوالده العب على مستويين : قمعُ من جهة, ويدممدودة من جهة أخرى. لقد قام كذلك, بمساعدة خبراء أجانب, بكتابة مشروع دستور لبلاده,وبتأسيس مجموعة إعلامية, باسم الغد, تضم وكالة صحافة, اسمها ليبيا برس, وصحيفةأسبوعية (في نسخة ورقية, وأخرى إلكترونية) تسمى أويا, موجهة لنشر آراءَ معارِضة؛ليُظهر للعالم ما تتمتع به حرية التعبير في ليبيا من صحة جيدة. لكن سيف الإسلاميلعب بالنار؛ فقد اعتقلت قوات الأمن الليبي[6],في شهر نوفمبر, عددا من صحفيي مجموعته ـ قبل أن يتم إطلاق سراحهم في اليوم التاليبأمر من القذافي ـ بسبب افتتاحية صحفية ظهرت في صحيفة أويا, دعت إلى عودة أعضاءمجلس قيادة ثورة 19969 التي جاءت بالقذافي إلى السلطة, لاحتلال مناصب عليا فيالدولة. وهؤلاء هم : عبد السلام جلود , والخويلدي الحميدي, ومصطفى الخروبي, وأبوبكر يونس. هذه الشخصيات, ربما تكون, بحسب كاتب الافتتاحية, التي كانت تعكس فكر سيفالإسلام, الأكفأ من غيرها؛ لتطهير البلاد من كوارث الفساد, والمحسوبية, والمحاباةالتي تعمها.
من آخر "نجاحات" سيف الاستعراضية,إطلاقُ سراح عدد من المساجين الذين ينتمي جزء منهم إلى الجماعة الإسلامية الليبيةالمقاتلة, التي قادت حربا دموية على القذافي في برقة, وهدمُ سجن أبي سليم[7],المشهور, للأسف, بتعذيبه. كما اقترب ابن القذافي, في النهاية, لدوافع خفية واضحة,من ماضي ليبيا الملكي, في حين أن أباه هو من طرد الملك إدريس الأول في عام 1969؛فزار سيف واحة الجغبوب, مسقط رأس السنوسية, الحركة السياسية الدينية التي قادتالمعارك ضد الاحتلال, والتي خرجت منها الملكية, وأدان الإهمال الذي تعاني منهالمساجد, وقبور كبار رجالات الطريقة, التي دمرتها ثورة والده. أعلن سيف الإسلام, الذيلم يستسغه "حرس اللجان الثورية القديم", في عام 2010, عن اعتزاله الحياةالسياسية, وعدم التدخل في أعمال الدولة, مما دعا كبيرا من المراقبين, باستثناء بعضالدبلوماسيين المطَّلعين جيدا, إلى إعلان موته سياسيا, وانتصارِ أخيه المعتصم,الذي استقبلته هيلاري كلينتون في واشنطون. لكن سيف الإسلام هو من تكلم, خلال أعمالشغب 2011, مرات عديدة من على شاشة التلفزيون, واستقبل الصحافة؛ لتهديد المتمردين[الثوار], والتقليل من أهمية أعمالهم.
على أي حال, فإن رغب وصيف الطاغية تغييرمهنته يوما ما, فيمكنه أن يصبح رساما؛ لأنه يرسم في أوقات فراغه, ويعرض أعمالهالسريالية عبر العالم. فقد أقيم معرضه المتجول, ذو العنوان الشعري "الصحراءليست صامتة", في صالة ألبير ميموريال جاردينز في لندن (من 25 يونيو إلى 10أغسطس), وفي برلين, وطوكيو, ومدريد, وسان باولو, وموسكو, و ... في معهد العالمالعربي بباريس , الذي كان يتمنى استمالة القائد ليقبل دفع المبالغ المتأخرةالمستحقة للمعهد على الجماهيرية, ومبلغ السبعة عشر مليون دولار الضروري لإقامةمعرض كبير عن الكنوز الأثرية الليبية, يطمح إليه متحف اللوفر. ضم معرض ابنالقذافي, الذي مولته مؤسسة القذافي, حوالي خمسين لوحة من أعماله, كان من بينهن لوحةمذهلة بعنوان التحدي, تُصور قسُسا يحملون صليبا كبيرا على شاطئ البحر, تهيمن عليهمصورة القائد الليبي بجسم نسر, ونظارات شمسية على أنفه. المفروض في هذه اللوحة أنتجسد, كما يمكن أن نخمن, انتصار الحق على الصليبيين الذين فرضوا الحصار على البلد.هدَم النقاد هذا المعرض, ضاحكين من قفزات الفنان السياسية, أو من رومانسيته الوردية,ومشيرين إلى اختلاف الأسلوب من لوحة إلى أخرى ـ مما يدعو إلى افتراض أنها لم تكنجميعها من رسم سيف. وقد عبر جوناثان جونس في الجارديان, عن ذلك تعبيرا مباشرابقوله : "يعتبر ابن العقيد القذافي, بلا شك سفيرا ثقافيا مطلعا, لكنه لا يصلفي فن الرسم إلى درجة الهاوي الموهوب؛ فعاطفيته المتكلَّفة لا يساويها سوى عدمكفاءته التقنية"[8].لا بد من الإشارة هنا, إلى أن معمر القذافي لم يف بوعده الذي قطعه لمعهد العالمالعربي؛ فقد طلب تخفيف دينه, الذي تم تقسيطه على دفعات, ولم يُموِّل, على الرغم من"اللفتة" التي قُدمت لابنه, أبدا المعرض الأثري الكبير المتوقَّع !
يهوى الأخ الأصغر لسيف الإسلام, المسمىالساعدي (مولود في عام 1973), كرة القدم , التي لعبها, وهو نائب رئيساتحادها,  في نادي اتحاد طرابلس, بطلالدوري المحلي لإحدى عشر مرة, والذي كان يرأسه, قبل أن يُجَرب حظه في ناد بيروجياالإيطالي, الذي لم يلعب فيه تقريبا, وقد أوقف عن اللعب مدة ثلاثة أشهر, في عام2003, على إثر فحص ضد المنشطات كانت نتيجته إيجابية, واختاره متفرجو الراي[الراديو, والتلفزيون الإيطالي], ثاني "أسوأ لاعب" في الدوري الإيطالي,فانتهى به الأمر إلى وضع حد لمسيرته الكروية. نجح الساعدي, الذي له عدة أصدقاء فيالوسط الكروي (مارادونا, رونالدو...), والذي يملك أسهما في نادي يوفنتوس لكرةالقدم, الذي استثمر فيه 14 مليون جنيه عن طريق شركة الاستثمارات الليبية الخارجية,التي كانت اشترت, في السبعينيات, 10% من أسهم فيات, بناء على طلب الرئيس أجنيلي,الذي كان يواجه أزمة اقتصادية خطيرة, بسبب ارتفاع أسعار النفط, في تنظيم كأسالسوبر الإيطالية, في عام 2002, في طرابلس, وفي أن يلعب ضمن فريق زين الدين زيدانمباراة ضد فريق بوردو نظمت , في السنة نفسها, لصالح أطفال الصحراء[9].كما أمر في عام 2002, على إثر معركة ضارية بين مشجعين في بنغازي, بحل نادي المدينةالأهلي, وبهدم مقره, وباعتقل حوالي خمسين شابا. عمل الساعدي, أيضا, في القوات المسلحة,التي يقود فيها اليوم وحدة من قوات النخبة.
ويملك, وهو العاشق للسهر, يختا بطول 1200قدم, وكان يقود في إيطاليا سيارة من نوع لامبورجيني ديابلو, وهو المورد الرسميلعلامة أديداس في ليبيا. دشن كذلك مشروعا ضخما "جنة لأصحاب المليارات", على غرار "هونج كونج", علىشريط ساحلي بطول 40 كلم بين زوارة, ورأس جدير (في غرب ليبيا), وقد كان سيتمتعبمعاملة خاصة تسمح له بالالتفاف على قانون تحريم الخمر المطبق في ليبيا القذافي"المتزمتة". لا يتراجع العقيد أمام أي شيء, من أجل إشباع شهية ذريته !
الولد الثالث الناتج عن الزواج الثاني, هوالمعتصم بالله القذافي, العقيد في الجيش, ورئيس شركة النقل البحري الوطنية, التيتنقل الجزء الأكبر من النفط الليبي[10],وقد عينه والده رئيسا لمجلس الأمن الوطني في عام 2007, قبل أن يستبعده عنه, بسببولعه بالخمر, وبسبب مناوشة حصلت بين كتيبته, وبين حرس أبيه. نُفي إلى مصر, لكنهعاد., في عام 2009, واستعاد حظوته, بدعم من ابن عم أبيه,أحمد قذاف الدم.[11] . ثماستقبلته, بشعره الطويل, وبزته الحريرية اللامعة ذات اللون البني, وزيرةُ الخارجيةالأمريكية هيلاري كلينتون, في واشنطون , في شهر أبريل 2010, وعُين مستشارا لمجلسالأمن الوطني, في عام 2010. لقد عاد الحديث عنه مرة أخرى, في احتفالات السنةالجديدة, عندما صُوِّرت إقامته في فيلم نشر على موقع اليوتيوب, يشاهد فيه حفلاتكبيرة, من بينها حفلة رأس السنة, التي غنت له فيها بيونسي نولس, مقابل مليوندولار. كما ضغط المعتصم, بحسب موقع ويكيليكس, على مدير شركة النفط الوطنية, شكريغانم, ليمنحه مبلغ مليار, ومائتي مليون دولار.ما أتفه هذا المبلغ!
هانيبال القذافي, ذو التكوين العسكري, معتادعلى فقرات أخبار الحوادث في الجرائد؛ فقد خرج, عند زيارته روما, في عام 2001, منأحد النوادي الليلية ثملا, وتسبب في معركة مع بعض الشُرَط الإيطاليين, الذين رشهمبمطفأة حريق, مما تسبب في نقل ثلاثة منهم إلى المستشفى . لكن لم تتم متابعتهقضائيا, لأن ابن العقيد, الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 25 عاما, كان يحمل جواز سفردبلوماسي, يمنحه, بحسب اتفاقية فيينا, الحصانة.
ظهر في عام 2003, في عراك أخر في روما, جُرحفيه ستة صحفيين, وسار بسيارته البورش, في عام 2004, في شارع الشانزيليه, بباريس,عكس الاتجاه, وبسرعة 140 كلم في الساعة, ومتجاوزا عددا من الإشارات الضوئيةالحمراء, قبل أن يأمر حراسه بمواجهة قوات الأمن التي حاولت إيقافه, فجَرحوا شرطيامن فرقة مكافحة الجريمة. لقد نجا هنا أيضا من المتابعة القضائية, لكن حُكم على أحدحراسه بالسجن شهرا مع وقف التنفيذ, وبغرامة مالية قدرها 1000 يورو. أما القائد فقداقتصر, عندما طلب منه التعليق على الحادث, على التقليل من شأن القضية, وقال:"إنه شاب. هذا أمر عادي".
حكمت محكمة جنايات باريس على هانيبالالقذافي, في عام 2005, بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ, وبغرامة قدرها 500 يورو؛لضربه محظيته الحامل في شهرها السابع, في أحد فنادق باريس الفخمة, لوروايال مونسو,ولحمله سلاحا بلا ترخيص, ولمهاجمته الشرطة, والمسعِفين.
صحب هانيبال زوجتَه إلين سكاف, عارضة الأزياءالسابقة, إلى سويسرا, في عام 2008, لتلد في أحد مستشفيات بحيرة جنيف الخاصة , وأقمالاثنان في فندق الرئيس ويلسون, الذي قام العاملون فيه, بعد رؤيتهم سوء معاملةالزوجين من يعملون معهما, خادمة تونسية, وسائق مغربي, بتنبيه الشرطة, التي قامتباعتقال هانيبال, وزوجِه, بتاريخ 16 يونيو من عام 2008, واتهامهما "بالتسببفي جرح موظفيهما جراحا بسيطة, وبتهديدهما, وبتخويفهما". كما اتُّهم حارساهماأيضا بمحاولتهما مقاومة الشرطة, لكن القائد أنكر بعد ذلك, سلوك جلاوزة ابنهالعنيف. تعرضت زوجة هانيبال, الحامل في شهرها التاسع تقريبا, خلال الاعتقال, لوعكةصحية, ونقلت إلى المستشفى. أما هانيبال فقد أمضى ليلتين في الحجز الوقائي, الذي لميخرج منه إلا بعد دفع ضمانة قدرها 500000 فرنك سويسري. وقد تسبب هذه الحادثة,التافهة في الواقع, في أزمة دبلوماسية, لم يسبق لها مثيل, بين ليبيا, وسويسرا,وقرر القذافي, الغاضب من المعاملة التي تعرض لها ابنه, ردا على ذلك, اعتقالَ ماكسجولدي مدير إيه بي بي في طرابلس, والتونسي السويسري رشيد حمداني وكيل شركة بناءسويسرية, بحجة دخولهما من غير تأشيرة. ليست هذه الطريقة بالجديدة على القذافي, فقدقَبض, في شهر أكتوبر من عام 1983, على ستة وثلاثين مواطنا فرنسيا, كما تقدم,"احتجاجا" على اعتقال فرنسا عميل مخابرات ليبي مطلوب في إيطاليا ! أعلنتليبيا, في بداية الأمر, عن عدم منح المواطنين السويسريين التأشيرة, وسحب الأموالالليبية من البنوك السويسرية, ومنع تصدير النفط إلى سويسرا, ثم ألغت الرحلات التيتقوم بها خطوطها الجوية سويسير. كما تم, من جهة أخرى, اعتقال أخ الخادمالمغربي في ليبيا, ولم يُفرج عنه إلا في شهر أغسطس من عام 2009. ما ذا يريدالقذافي ؟ إنه يطلب, بكل بساطة, الاعتذارَ, ومعاقبةَ شرَط جنيف الذين اعتقلواهانيبال, وزوجه ! انتهى القدافي, الذي طلب من الأمم المتحدة تفكيك سويسرا,وتوزيعها على جيرانها, بحيث يُضم الجزء السويسري الناطق بالألمانية, إلى ألمانيا,وسويسرا الغربية إلى فرنسا, و لو تيسان إلى إيطاليا, في نهاية هذا الوضع المعقدالطويل, وبعد زيارة رئيس الاتحاد السويسري هانس رودولف ميرز, الذي جاء ليقدم له"اعتذار سويسرا الرسمي عن اعتقال هانيبال القذافي, ابن قائد الثورة,الظالم" إلى التنازل؛ فأفرج, بتاريخ 10 يونيو 2010, عن ماكس جولدي, مقابل دفعدية قدرها 1,5 مليون فرنك سويسري[12].
تبين هذه القصة التي لا تصدق, جيدا جنون معمرالقذافي, الجاهزِ لإعلان الحرب على دولة مسالمة جدا, كسويسرا؛ من أجل"الانتقام" للإهانة التي لحقت بابنه الذي كان مخطئا. إذن فلا عجب منقيام طاغية طرابلس بتدمير ليبيا؛ انتقاما "للإهانة" التي ألحقها به[الثوار].
لم يكتف هانيبال بإثارة أزمة دبلوماسية خطيرةجدا, فعاود الكرة, عندما استدعى العاملون بفندق كلاريدجس اللندني الفخم,  الذي كان يقيم فيه, هو وأسرته, في شهر ديسمبرمن علم 2009, الشرطة بسبب الصيحات التي كانت تطلقها زوجه, التي كان يُعتقد أنهضربها, فكسر لها انفها ـ فرضيةٌ كذبتها أسرة المعني عندما سألتها الصحافة عنها فيبيروت, مما اضطره إلى استخدام الحصانة الدبلوماسية, للاعتراض على تدخل الشرطةاللندنية. لكن حراسه الشخصيين الذين حاولوا الاعتراض على تدخل الشرطة, اعتقلوا مدةقصيرة من الزمن, بتهمة عرقلتهم عمل قوات الأمن[13]

أما ابنة القذافي, عائشة, وهو اسم جدتها, فقدولدت في عام 1976, ونالت شهادة في القانون من جامعة الفاتح. كما أنها ضابطة فيالجيش الليبي[14], ورئيسةجمعية واعتصموا الخيرية, التي نَظمت في شهر مارس 2004, بباريس, بالتعاون مع المجلسالأوروبي, مؤتمرا عن "الحوار بين الحضارات", وهي تناضل ضد المجاعة فيأفريقيا, وضد العنف الأسري, مستوحية ذلك, بلا شك, من مشاكل أخيها هانيبال معالقضاء. أعلنت هذه الجمعية, بتاريخ 5 ديسمبر من عام 2008, منح "قلادةالشجاعة", الصحفيَّ العراقي منتصر الزيدي, الذي رمى الرئيس الأمريكي جورج بوشالابن بزوج من الأحذية. كل التكريم, للسيد العظيم !
دافعت عائشة المحامية, عن صدام حسين, الذي التقتبه مرة واحدة قبل خلعه, دون أن تذهب إلى المحكمة, "لأسباب أمنية. بدأت هذهالشقراء,التي تبدو القسوة على محياها, والتي لقبتها الصحافة الإيطالية بـ"كلوديا شيفر الصحراء", بتقديم صورة حديثة عن المرأة الليبية, قبل أنتتحجب. وقد صرح القائد, عندما سؤاله عن ذلك, قائلا : "أنا مع الحرية...عندماكانت عائشة سافرة, لتكون امرأة عصرية, لم أردعها عن ذلك. وعندما قررت الآن أنتتحجب, لم أنهها عنه"[15].
عينتها الأمم المتحدة, في عام 2004, سفيرةللنوايا الحسنة, لكن هذا اللقب سحب منها بعد بداية الثورة, في شهر فبراير من عام2011. وقد ردت على ذلك الخبر, وهي مُدثِّرة في معطفها المصنوع من الفرو, قائلة :"كل الليبيين يعرفون أنشطتي المتعلقة بمساعدة الناس, مع الأمم المتحدة, أوبدونها". كما كُتب عن هذه, التي تستحق, بحسب العقيد, أن تنال يوما جائزة نوبلللسلام, كتاب, كتبه تونسي مقيم في سويسرا, اسمه سامي الجلولي,  يشكو اليوم أنه لما يتلق أجره بعد[16].عنوان هذا الكتاب, الذي طَلب كتابته رئيس جمعية واعتصموا التنفيذي, هو أميرةالسلام !
تحتل تلك, التي اعتبرتها مجلة فورب إحدىالنساء الأكثر نفوذا في العالم العربي, عددا من المناصب الشرفية (مثل أمينة شرفاتحاد الناشرين الليبيين), وتدير جزءا من الثروة العائلية. لقد تعجب إدموند جوف,الذي قال عنها : إنها "مشرقة, وكاملة, وعاطفية" من عدم وجودها من بينالمنظِّمين لمؤتمر عن العراق عُقد في ليبيا, وحضرته ابنة عبد الناصر, لكنه وقف علىالسبب, فعرف أن عائشة تأخرت في مطار نيس, بسبب رفضها أن يفتشها رجال الجمرك !فانتهى بها الأمر إلى السفر في طائرة خاصة, استأجرها لها السفير الليبي فيفرنسا... إنها قضية مبدأ ! نظمت, خلال اعتقال أخيها هانيبال في سويسرا, مؤتمراصحفيا في فندق الرئيس ويلسون, الذي اعتقل فيه؛ من أجل إدانة ذلك "العمل الغيرقانوني, والمضاد للسامية, والموجه ضد العرب", وهددت بقولها : "العينبالعين, والسن بالسن, والبادئ أظلم"[17].إنه لأمر عجب أن تحتج محامية بقانون الانتقام...
تدعو عائشة نفسها "دكتورة". كانيظن أنها تحمل درجة دكتوراه في القانون حصلت عليها تحت إشراف الأستاذ إدموند جوففي جامعة باريس الخامسة رينيه ديكارت. لكن الحقيقة مختلفة؛ إذ إن الفتاة قد سُجلتفي الجامعة , وسلَّمت المشرف على أطروحتها نسخة منها مطبوعة على الآلة الكاتبة, عن"مجلس الأمن", تُدين فيها سيطرة الولايات المتحدة على هذه المؤسسة ,المشكَّلة بطريقة اعتباطية ـ فكرةٌ استعارها منها والدها عند مداخلته على منبرالأمم المتحدة ـ. لكنها قررت في اللحظات الأخيرة عدم مناقشتها, بحجة  أنها "لم تعد تؤمن بالقانون الدولي".هذه الحجة غير مقنعة. هناك أسباب أخرى لم يُعترف بها, تشرح هذا القرار الغير متوقع.مستوى عائشة في اللغة الفرنسية ضعيف, وتابعت دروسا مكثفة فيها, يبدو أنها لم تعنهاعلى بلوغ المستوى الذي يمكنها من مناقشة أطروحتها. إن كان الأمر كذلك, فليس منالمستحيل أن تكون قد عهدت, كما فعل أخوها, بكتابتها إلى شخص آخر...هناك سبب آخرقدمه أحد المقربين منها, يكمن في أن سيف الإسلام قدَّم, قبل أن يكتفي بالدراسة فيلندن, طلبا للدراسة في السوربون, لكن الرئيس ميتيران رفض منحه تأشيرة دخول إلىفرنسا, فدفعه الغضب إلى أن يطلب من أخته أن تتخلى عن شهادة دكتوراه يمنحها بلد صرَّحبأنه شخص غير مرغوب فيه. قضية شرف, أو حسد. ربما يكون القائد هو من طلب من ابنتهالتخلي عن مناقشة هذه الأطروحة المثيرة للجدل, والتي تنتقد الولايات المتحدة, التيكان يرغب, يائسا, في التقرب منها....لقد وجدت ابنة القذافي الوسيلة لتجاوز كل هذهالعوائق, والحصول على شهادتي دكتوراه شرف, إحداهما في القانون الدولي من جامعةترهونة الليبية, والأخرى من أكاديمية الطاقة, والبيئة, في جمهورية أذربيجان !
تقول عائشة إنها قريبة جدا من والدها؛ ويؤكدأحد أصدقاء العائلة أنه "يسمح لها بكل شيء", باستثناء قضية الزواج؛ فقداضطرت إلى النزول عند رغبة أبيها, وتزوجت, في عام 2006, الضابط أحمد القذافيالقحصي,الذي أنجبت منه ثلاثة أطفال, هم : عبد السلام, ومعمر, وجينا . تعترف قائلة: "علاقتي بوالدي غريبة ؛ إذ أشعر, أحيانا, بأنها كتلك التي تكون بين محكوم,وحاكم, وأحس أحيانا بأنها علاقة بصديق كريم"[18].مهما كان الأمر, فإن هناك شيئا مؤكدا : ليس من السهولة بمكان أن تكوني ابنة قائدالثورة !
الولدان الأخيران للقذافي هما : سيف العرب,البالغ من العمر ثلاثين عاما, والضابط, المتخرج من جامعة ميونيخ التقنية. والذيقتل في قصف لحلف شمال الأطلسي, في ليلة الواحد من شهر مايو 2011. وخميس البالغ منالعمر 29 عاما, والمتخرج من الأكاديمية العسكرية الروسية, والقائد لإحدى وحداتالقوات الخاصة.
وأخيرا حنان ابنة العقيد بالتبني, والتي ماتتوعمرها سنتان, في أثناء عملية "الإلدورادو كانيون" التي قادها الأمريكانضد طرابلس, وبنغازي ردا على تفجير برلين. تُشكك بعض المصادر في وجودها نفسه, وتؤكدأخرى أنها قد تُبُنيت رسميا بعد القصف؛ من أجل تحريك مشاعر الرأي العام.
لقد حابى القذافي, ككل الطغاة, أقرباءه, فوضعأفراد أسرته في أهم مناصب النظام. كما أنه لم يتردد, على غرار ابن علي, وحسنيمبارك, في أن يخص أقاربه بميزات كثيرة, ولعب على التنافس بين أبنائه؛ لكي لايتعالوا عليه, ولا يفقد شيئا من سلطته. لكن كل شيء يشير إلى أن مغامرات ذريته قدغذت الغضب الشعبي, وأسرعت بآلية الانتفاضة ضده...



[1] AbdelazizBarrouhi, « Un Daophin sous surveillance », Jeune Afrique, 5 février2009.
[2]  انظر الفصل المعنون بـ"احتكار".
[3]  قبل الأمير تشلرلز, من جانبه, في عام 2007, توليرئاسة الجنة الدولية لحماية برقة, مع سيف الإسلام !
[4] Le Figaro, 4 mars 2011.
[5] Le Figaro, 7 décembre 2007.
[6] احتلت اللجان الثورية, في عام 1992, وكالة الأنباء الليبية الرسميةجانا, وأقالت مديرها, المتهم بالتضليل Le Monde11 juin 1992))
 [7]  مازالت بنيان هذا السجن قائمة, وقد أودعه كثيرمن ثوار ثورة 17 فبراير حتى حررهم إخوانهم بتحرير مدينة طرابلس (المترجم)
[8] Jonathan Jones, « Dad, you’re in mypainting », Guardian, 23 juillet 2002.
[9] Cf. le journalalgérien Liberté, 1er octobre 2002.
[10]  يخلط المؤلف هنا بين المعتصم, وهانيبال, لأنالأخير هو من كان يرأس هذه الشركة (المترجم).
[11] MaghrebIntelligence, 15 avril 2010.
[12] 24 heures, 17 juin 2010.
[13]  لقد ذكر اسمه, بحسب بعض المصادر (Nice Matin, 25 février 2011), أيضا, في إطار تحقيقمتعلق بشبكة دعارة على الساحل اللازوردي, الذي يوجد عليه يخته ذو السبعة والعشرينمترا, والمسمى تشي جيفارا...
[14]  أشارت العربية, بتاريخ 23 فبراير من عام 2011,إلى أنها تجيد استخدام الأسلحة النارية, والقنابل اليدوية.
[15] Jouve, op. cit.,p. 110.
[16] Le Temps, 19 mars 2011.
[17] Le Temps, 18 juillet 2008.
[18] Jouve, op, cit., p. 269.

Followers

Pageviews